وليس مثل الفوز بالجنان * شيء من العروض والأثمان
فلا يقاس ما يُوفَّ عوضا * يوم الجزاء بما يناط بالرضا
والنوع مُحتاج إلى التعاضدِ * لجلب ما لهم من المقاصد
شرح
فإنّ اعترافه بذلك يستلزم اعترافه أيضاً باشتراط صحّة العمل من العامل
برضاه واختياره ، ويكون المحصّل منه بطلان العمل الجبري ، وبه يتّضح بطلان
مذهب الجبر من أصله . مضافاً إلى ما عرفته فيما تقدّم من وجوه فساده وأيضاً بعد
الغضّ عن منع المعاوضة في المقام أصلا ورأساً لا نسلّم اشتراط الرضا في جميع
المعاوضات ؛ فإنّ المسلّم منه فيما إذا كان العوض من سنخ المعوّض ، ومتقارباً منه
في القدر والقيمة .
وأمّا فيما إذا كان العوض أضعافاً مضاعفة عن المعوّض فلا ، ولا نسلّم قبح
التعويض حينئذ بالرغم منه لدى العقلاء .
بل يمكن دعوى إطباقهم على قُبح تركها ولو كرهاً على الممتنع منها ،
وإجماعهم على حسن إجباره عليها ، وحكمهم بجنونه أو سفهه في تجافيه عنها .
ومن الواضح أنّ ما نحن فيه من هذا القبيل ، وأعظم منه ؛ فإنّه لا يُقاس عوض
من الدنيا وجميع ما فيها بالأعواض الأُخروية .
« وليس مثل الفوز بالجنان » وما أُعدّ فيها من صنوف النعم الدائمة وأنواع
الكرامات الباقية « شيء من العروض » الدنيوية « والأثمان » الفانية .
« فلا » يشترط في مثلها الرضا من المكلّف على تقدير تسليم كونها عوضاً
عن التكليف .
ولا « يقاس ما يوفَّ » أي يعطى « عوضاً » وافياً « يوم الجزاء » ولا يشبه
« بما يُناط » حُسنه وصحّته « بالرضا » من المتعاوضين ، كالمعاملات الرائجة .
ثمّ إنّه قد استدلّ جمع من الفلاسفة والحكماء على حُسن التكليف ووجوبه
بأنّ الإنسان مدني بالطبع « والنوع » منهم « محتاج إلى التعاضد » والتعاون