شرح
هذا ، مع ما عرفت من أنّ المثوبة الأُخروية ليست عوضاً عن إطاعة العبد وعمله
بوظيفة العبودية ، بل إنّها على المختار فضل زائد ، ولطف محض منه تعالى للمطيع
من غير استحقاق ، ولا استيجاب . ومثله كيف يقاس على العلاج والإنعام عوضاً ؟
« فبالثواب ارتفع التساوي » وبطل القياس حتّى على القول بالاستحقاق ،
فإنّه كما عرفت وإن جاز للعبد مطالبته بناءً عليه ، لكنّه لا عوضاً عن عمله ، بل وفاءً
بالوعد على ما تقدّم بيانه .
رابعها : أنّ التكليف المستتبع للأجر ليس إلاّ بمنزلة المعاوضة ، ولا شبهة في
كون صحّتها وحُسنها مشروطاً برضا المتعاوضين . ولا خلاف في فسادها شرعاً
وقبحها عقلا مع عدمه .
وعليه كيف يمكن دعوى حُسن التكليف ومعاوضته بالأجر الأُخروي عند
عدم رضا المكلّف .
بل لابدّ من تسليم القبح في نفس الفرض ؛ لفقدان الشرط ، وفي غيره بعدم
القول بالفصل .
والجواب : ما عرفت من أنّ الأجر الأُخروي لم يكن سبباً للتكليف ، ولا عوضاً
عن العمل ، بل إنّه فضل محض ، ولطف صرف ، وإنّ سبب التكليف هو المصالح
المكنونة في العمل لحفظ النظام ، وبسط العدل ، أو الحِكَم المخزونة في نفس
التكليف ؛ لتميّز المطيع من العاصي .
وحينئذ فلا معاوضة بين التكليف والأجر ؛ كي يقال بتوقّفها على الرضا ، أو
بثبوت القبح في التكليف مع عدمه .
نعم بعد تقدير تسليمها ، فإنّما هي بين العمل الاختياري والأجر الأُخروي ،
وأنّ من الواضح ثبوت الرضا فيه ، وبه تصحّ المعاوضة على القول بها .
وأوضح من ذلك اعتراف الأشعري ببطلان جبره ، بمقتضى اعترافه في المقام
بما ذكره من اشتراط الرضا في صحّة المعاوضة بعد وضوح ما ذكرنا من كون ذلك
بين العمل والأجر .