ولا تُنافي الكلفة المستتبعة * لما استحقّ من جزيل المنفعة
شرح
حسنه العقلاء ، بل ربما يحكمون بكون تركه سفهاً أو جنوناً ، ولا سيّما مع الحاجة
التامّة إلى تلك المنافع والأرباح العظيمة ، وخصوصاً مع القطع بحصولها وترتّبها
على احتمال المشقّة اليسيرة .
أما ترى إطباقهم على احتمال مشاقّ أسفار التجارة برّاً وبحراً وجوّاً وما فيها
من الأهوال والمخاطرات وفراق الأهل والأحبّة والأوطان ، ورفض العادات
الهنيئة أكلا وشرباً ومناماً وراحةً ، كلّ ذلك طمعاً فيما يؤمّلونه من الأرباح المؤجّلة .
فتراهم منشرحين في احتمالها ، راغبين في تكريرها وتمديدها ، مع عدم
حصول الجزم لهم بترتّب آثارها ، فكيف إذا حصل لهم الجزم بذلك .
وعليه فلا شبهة في حكمهم بحُسن احتمال تلك المشاقّ المدّعى وجودها في
العباديات بعد تسليم الكلفة اليسيرة فيها ، رجاء ترتّب الآثار العظيمة والمنافع
القطعية الكثيرة الأُخروية على ذلك « و » حكمهم أيضاً بأنّه « لا تنافي الكلفة
المستتبعة » عقلا ونقلا « لما استحقّ » للمتحمّل لها « من جزيل المنفعة » ولا تزاحم
العاجلة القليلة تلك الآجلة الكثيرة .
نعم إذا كانت الكلفة والمشقّة العاجلة أكثر بكثير من المنفعة المؤمّلة صحّ قول
الخصم ، وذلك خارج عمّا نحن فيه ، هذا مع عدم تسليم وجود الكلفة في جميع
التكاليف الشرعية ، وإمكان إنكارها في كثير منها ، ولا سيّما بعد الاعتياد عليها .
بل ربما يكون في بعضها نشاط وسرور وراحة ، وزوال الهموم ، كما في سفر
الحجّ مثلا ، أو الصوم لمن اعتاده .
ثالثها : ما نغم به أيضاً بعض آخر من القوم ، فقال : إنّ المثوبة الأُخروية بعد
التسالم على كونها عوضاً عن المشقّة العاجلة لا تدارك الكُلفة الحاضرة مهما بلغت
المثوبة في الحسن والكثرة . فإنّ احتمال التكاليف بعد التسالم على صعوبة كثير
منها والتسالم أيضاً على قبح تحميلها لدى العقلاء ليس مثلها إلاّ كمثل إيلام زيد