شرح
القول بالفصل ، وبذلك يثبت خلوّ التكليف عن الحسن عقلا إن لم يثبت به قبحه ،
ولكنّه من الشارع حسن ، ولا يعبأ بحكم العقل فيه .
والجواب : أنّ ذلك مغالطة واهية ؛ إذ لم يكن المدّعى سببية التكليف بنفسه
للمثوبة كي ينتقض بلزوم تلك المحاذير ، بل الحقّ المدّعى هو كونه عرضة لدفع
المضارّ الأبدية وتمهيداً لحصول المنافع الأُخروية ، وأنّ به يمتاز المطيع عن
العاصي ، فيستوجب كلّ منهما بعمله الاختياري ما يستوجبه من المثوبة أو العقوبة .
فما أبين الفرق بين الأمرين ؟ وما أوضح الخلط الفاسد بينهما ، وما أحسن
التكليف عقلا وشرعاً ( ليميز الله الخبيث من الطيّب ) ( 1 ) .
ثانيها : أنّه لا شبهة في كون التكليف مستتبعاً للكُلفة العاجلة ، إمّا بتعب البدن
بالصوم والصلاة والجهاد وأمثالها من الفرائض والسنن ، أو بالتجنّب عن كثير من
الأُمور الّتي تستلذّ بها النفس من المحرّمات والمكروهات . فإنّ تركها والصبر عنها
أيضاً فيه مشقّة وتعب لكثير من الناس .
وإمّا بخسارة في الأموال ، كما في التكليف بدفع الزكاة ، وسائر الحقوق الشرعية .
ومن الواضح أن تحميل الكلفة الموجبة لسلب الدعة والراحة من الغير مكروه
للطبع ، وقبيح لدى العقل .
وعليه فلا يكون التكليف إلاّ قبيحاً ، ولا أقلّ من خلوّه من الحسن عقلا .
وبذلك يثبت عدم الاعتبار بحكمه بعد التسالم على وقوعه منه تعالى الموجب
للحكم بحسنه شرعاً .
ولا يتدارك القبح المذكور العاجل بما يترتّب على احتمال تلك المشاقّ من
النفع الأُخروي الآجل ؛ فإنّ الراحة العاجلة خير لدى العقلاء من النفع المطموع فيه
في المستقبل .
والجواب : منع ذلك على نحو الإطلاق والتعميم لجميع الموارد ؛ فإنّ احتمال
المشقّة اليسيرة بالإضافة إلى ما يترتّب عليه من المنافع الكثيرة ممّا اتّفق على
هامش
( 1 ) الأنفال : 37 .