تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
شرح
القول بالفصل ، وبذلك يثبت خلوّ التكليف عن الحسن عقلا إن لم يثبت به قبحه ، ولكنّه من الشارع حسن ، ولا يعبأ بحكم العقل فيه . والجواب : أنّ ذلك مغالطة واهية ؛ إذ لم يكن المدّعى سببية التكليف بنفسه للمثوبة كي ينتقض بلزوم تلك المحاذير ، بل الحقّ المدّعى هو كونه عرضة لدفع المضارّ الأبدية وتمهيداً لحصول المنافع الأُخروية ، وأنّ به يمتاز المطيع عن العاصي ، فيستوجب كلّ منهما بعمله الاختياري ما يستوجبه من المثوبة أو العقوبة . فما أبين الفرق بين الأمرين ؟ وما أوضح الخلط الفاسد بينهما ، وما أحسن التكليف عقلا وشرعاً ( ليميز الله الخبيث من الطيّب ) ( 1 ) . ثانيها : أنّه لا شبهة في كون التكليف مستتبعاً للكُلفة العاجلة ، إمّا بتعب البدن بالصوم والصلاة والجهاد وأمثالها من الفرائض والسنن ، أو بالتجنّب عن كثير من الأُمور الّتي تستلذّ بها النفس من المحرّمات والمكروهات . فإنّ تركها والصبر عنها أيضاً فيه مشقّة وتعب لكثير من الناس . وإمّا بخسارة في الأموال ، كما في التكليف بدفع الزكاة ، وسائر الحقوق الشرعية . ومن الواضح أن تحميل الكلفة الموجبة لسلب الدعة والراحة من الغير مكروه للطبع ، وقبيح لدى العقل . وعليه فلا يكون التكليف إلاّ قبيحاً ، ولا أقلّ من خلوّه من الحسن عقلا . وبذلك يثبت عدم الاعتبار بحكمه بعد التسالم على وقوعه منه تعالى الموجب للحكم بحسنه شرعاً . ولا يتدارك القبح المذكور العاجل بما يترتّب على احتمال تلك المشاقّ من النفع الأُخروي الآجل ؛ فإنّ الراحة العاجلة خير لدى العقلاء من النفع المطموع فيه في المستقبل . والجواب : منع ذلك على نحو الإطلاق والتعميم لجميع الموارد ؛ فإنّ احتمال المشقّة اليسيرة بالإضافة إلى ما يترتّب عليه من المنافع الكثيرة ممّا اتّفق على
هامش
( 1 ) الأنفال : 37 .