شرح
كون العبد متاجراً ، فقد عرفت أيضاً جوابه من أنّ الاستحقاق في المقام ووجوب
ترتيب الثواب على الطاعة لم يكن إلاّ بإيجاب منه على نفسه المقدّسة بمقتضى
وعده الّذي لا خُلف فيه .
ولا يقاس ذلك بالدين الشرعي الثابت بإيجاب الشرع الّذي يجوز فيه
الإجبار على الدفع ، واللوم على الامتناع .
وإن أبيت عن ذلك فنقول : إنّه لا وحشة في تسمية الأجر ديناً عليه بمقتضى
وعده الوفي كما قيل في المثل الرائج " وعد الكريم دين عليه " .
كما لا وحشة في تسمية العبادة بضاعة مبيعة عليه سبحانه ، وتسمية فاعلها
متاجراً مع ربّه بقرضه الحسنات ليستوفي منه الأجر فلا نكر في شيء من ذلك بعد
وروده في صريح آيات الكتاب وصحاح الأحاديث ، كقوله تعالى : ( هل أدلّكم
على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ) ( 1 ) ( إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم
وأموالهم بأنّ لهم الجنّة - إلى قوله جلّ وعلا - فاستبشروا ببيعكم الّذي بايعتم به ) ( 2 )
( من ذا الّذي يقرض الله قرضاً حسناً ) ( 3 ) ( وأقرضوا الله قرضاً حسناً ) ( 4 ) ( وما
تنفقوا من خير يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون ) ( 5 ) ( وما تقدّموا لأنفسكم من خير
تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً ) ( 6 ) ( إنّما تجزون ما كنتم تعملون ) ( 7 ) إلى
غير ذلك من الآيات المحكمة المحرّضة على المعاملة معه ودفع القرض له ، وطلب
العوض منه ، فضلا عمّا ورد في السنّة وأحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) وأدعيتهم المأثورة .
وأمّا دعوى جريان عادته تعالى على إثابة المطيع في الآخرة ، فهو تخرّص
بالغيب ، ودعوى بلا بيّنة ، بعد وضوح كون ذلك مؤجّلا لا يحصل العلم به في هذه
النشأة الدنيوية لولا إخباره سبحانه بذلك .
وأمّا ما ذكره بعضهم في المقام ، واحتجّ به لصحّة مذهب شيخه الأشعري من
الحديث المختلق : " إنّ الله خلق خلقاً للنار فلا تنفعهم الطاعة ، وخلق طائفة أُخرى
هامش
( 1 ) الصف : 10 . .
( 2 ) التوبة : 111 .
( 3 و 4 ) الحديد : 11 و 18 .
( 5 ) البقرة : 272 . .
( 6 ) المزمّل : 20 .
( 7 ) الطور : 16 ، التحريم : 7 .