شرح
وأمّا إذا قيل بتوجّهه نحو المتفطّن لجعل الشرع وثبوت أحكام فيه وتجويزه
توجّهها نحوه بحكم العقل مع كونه جاهلا بها عن تهاون وتقصير ، فمن الواضح أنّه
لا لغو فيه ، ولا تأثيم ، ولا يُعدّ مثله قاصراً ولا غافلا كي يقاس عليه القاصر عن
الفهم رأساً كالرضيع مثلا ، أو يقاس عليه الغافل صرفاً كالنائم والسكران ، أو يقاس
عليه العاجز عن تحصيلها لخرس أو صمم أو حبس وأمثالها .
وإنّ دعوى وجوب تحصيل المعرفة على أُولئك القصّار وأمثالهم من ذوي
العجز والغفلة ممنوعة أشدّ المنع على ما صرّح به قوله تعالى : ( فأُولئك عسى الله
أن يعفو عنهم ) ( 1 ) على ما تقدّم بيانه .
وأمّا في النهي عن اقتراب الصلاة ، فلأنّ المتيقّن المسلّم منه إنّما هو توجّهه
نحو الشاعر المنتبه للأمر والنهي قبل عروض غفلة السكر له .
وأمّا في حال السكر والغفلة التامّة فلا نسلّم توجّه التكليف نحوه ، وإن سلّمنا
ثبوت العقاب عليه ، واستحقاقه له حينئذ مع غفلته ، وعدم تمكّنه من فهم التكليف ،
وقصوره عن ذلك . حيث إنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار على ما تقدّم
بيانه .
وأمّا ثبوت الغرامة في مال القاصر ، فهو حكم وضعي ، وأثر مجعول لتدارك
حقّ المظلوم ، ولا ملازمة بينه وبين ثبوت الحكم التكليفي أصلا . ولذا لا نقول
بثبوت الإثم أو العقاب على المتلف القاصر ، ولا نسلّم تكليفه بدفع الغرامة ، بل
المكلّف بذلك ليس إلاّ وليّه العاقل الشاعر ، وإن كان ذلك من مال القاصر بدلا عن
مال المظلوم . وأين ذلك عن تكليف القاصر .
ثمّ احتجّ القوم لجواز خطاب القاصر الّذي لا يفهم شيئاً بما ورد في الكتاب
الكريم من مقطّعات أوائل السور ، كقوله تعالى : ( طس ) ( 2 ) و ( حم ) ( 3 )
هامش
( 1 ) النساء : 99 .
( 2 ) النمل : 1 .
( 3 ) غافر 40 : 1 ، وفصّلت 41 : 1 ، والشورى 42 : 1 ، والزخرف 43 : 1 ، والدخان 44 : 1 ،
والجاثية 45 : 1 ، والأحقاف 46 : 1 .