ولا يشير للضلال أبدا * لقبحه ولا يضلّ أحدا
شرح
ولكن الحقّ عندنا أنّ القول بذلك كفر وزندقة « و » أنّه سبحانه « لا يشير
للضلال » بذاك المعنى « أبداً » .
فإنّ ذلك « لقبحه » الضروري بشهادة العقل والعقلاء ممتنع منه جلّ وعلا « و »
أنّه « لا يضلّ أحداً » إجماعاً من الأُمّة على ما حكاه الرازي إمام أهل نحلة
الرجل ، واعترف رغماً منه باتّفاق الكلّ على عدم جواز نسبة الإضلال بمعنى
الإغواء إليه تعالى ، وأنّه سبحانه لم يدعُ أحداً إلى الكفر ، ولم يحرّض عليه ، بل إنّما
نهى عنه مؤكّداً .
ثمّ نهض لتأويل كلام شيخه بما زعم كونه ترميماً له ، وقال : إنّ الشيخ الأشعري
قد أراد بقوله ، إنّ الله أضلّ عباده أنّه خلق فيهم الكفر والضلال ، وأنّه صدّهم عن
الإيمان ، وحال بينه وبينهم . انتهى .
وأنت خبير بأنّ ذلك دفع للفاسد بالأفسد ؛ فإنّ نسبة الصدّ والحيلولة إلى ذاته
المقدّسة بالمباشرة أشنع وأقبح من نسبة الدعوة للكفر إليه ، كما هو واضح ، كوضوح
أنّ القول بذلك لو لم يكن نفس القول بالجبر فلا أقلّ من أنّه مشارك له في ترتّب
المحاذير الكثيرة عليه على ما أشرنا إلى بعضها هناك من استلزامه فتح باب الحجّة
للعباد في غيّهم وضلالهم بإسنادهم ذلك إلى ربّهم .
ثمّ استلزامه لتكذيب كثير من محكم الآيات المصرّحة بنسبة الإضلال إلى
إبليس ، وإلى أولياء الكفّار في قوله تعالى : ( وأضلّوا كثيراً ) ( 1 ) .
وحكايته قول اللعين : ( ولأُضلّنّهم ) ( 2 ) .
وقول أهل النار : ( ربّنا هؤلاء أضلّونا ) ( 3 ) ( ربّنا أرنا الّذين أضلاّنا ) ( 4 ) .
ثمّ منافاة ذلك لكفالته تعالى هداية خلقه في قوله سبحانه : ( إنّ علينا
هامش
( 1 ) المائدة : 77 . .
( 2 ) النساء : 119 . .
( 3 ) الأعراف : 38 .
( 4 ) فصّلت : 29 .