شرح
وثانيهما : الإيصال إلى المطلوب .
وإذ قد عرفت ذلك ، فاعلم أنّ نقيضها وهو الضلال أيضاً له معان عديدة في
اللغة ، وعند العرف . فمنها : الضياع ، كما في قوله تعالى : ( ضلّوا عنّا ) ( 1 ) .
ومنها : البطلان ، كما في قوله عزّ وجلّ : ( أضلّ أعمالهم ) ( 2 ) .
ومنها : الهلاك ، كما في قوله جلّ وعلا : ( وضلّ من تدعون إلاّ إيّاه ) ( 3 ) .
ومنها : الجهل ، كما في قوله سبحانه : ( فقد ضلّ سواء السبيل ) ( 4 ) .
ومنها : الإغواء والتلبيس ، كما في قول إبليس : ( ولأُضلّنّهم ) ( 5 ) وقوله عزّ من
قائل حكاية عن أهل جهنّم : ( ربّنا هؤلاء أضلّونا ) ( 6 ) ( ربّنا أرنا الّذين
أضلاّنا ) ( 7 ) ( قد ضلّوا من قبل وأضلّوا كثيراً ) ( 8 ) .
ومنها : الإعراض عن العاصي المصرّ ، وتركه لشأنه ، كما في قوله عزّ اسمه :
( ويضلّ من يشاء ) ( 9 ) .
ومنها : الغفلة والسهو ، كما في قوله جلّت عظمته : ( أن تضلّ إحداهما ) ( 10 ) .
ومنها : الإخفاء ، كما في قوله سبحانه حكاية عن الكفّار : ( أإذا ضللنا في
الأرض ) ( 11 ) إلى غير ذلك ممّا ذكر له من المعاني .
وحينئذ نقول : إنّه لا يجوز حمله على بعض معانيه من غير قرينة معيّنة على
سبيل سائر الألفاظ المشتركة اتّفاقاً من الكلّ .
وقد فعل الأشعري ذلك خلافاً للأدلّة الأربعة كلّها ، وحمل الإضلال المنتسب
إليه تعالى في الآية المذكورة على الإغواء .
وجوّز عليه سبحانه التلبيس بإرسال رسل سفهاء مجانين يدعون العباد إلى
الكفر والزندقة ، وينهونهم عن الإيمان والطاعة .
وزاد بعض أتباعه على ذلك فقال بوقوع الإغواء منه تعالى فضلا عن إمكانه .
هامش
( 1 ) غافر : 74 . .
( 2 ) محمّد : 1 و 8 .
( 3 ) الإسراء : 76 .
( 4 ) البقرة : 108 . .
( 5 ) النساء : 119 .
( 6 ) الأعراف : 38 .
( 7 ) فصّلت : 29 . .
( 8 ) المائدة : 77 .
( 9 ) الرعد : 27 .
( 10 ) البقرة : 282 .
( 11 ) السجدة : 10 .