شرح
وهذه هي الهداية العامّة الّتي التزم بها ، وأخبر بوقوعها منه لكافّة المكلّفين في
قوله سبحانه : ( إنّ علينا للهدى ) ( 1 ) ( إنّا هديناه السبيل إمّا شاكراً وإمّا كفوراً ) ( 2 )
( وأمّا ثمود فهديناهم فاستحبّوا العمى على الهدى ) ( 3 ) فلم يخصّ بها بعضاً
دون بعض .
وهي المفسّرة بإراءة الطريق ، الموجبة لإتمام الحجّة عليهم بأجمعهم .
وإنّ هناك هداية بمعنى آخر مختصّة منه تعالى ببعض أوليائه وعباده الّذين
عَلِم فيهم الخير والطاعة والانقياد بحسن اختيارهم وفطرتهم الذاتية ، وهي
المفسّرة بالإيصال إلى المطلوب . وذلك ممّا لم يتكفّل به الربّ سبحانه للعموم ، ولا
يوجب تركها عدم تمامية الحجّة عليهم ؛ فإنّها ليست إلاّ تفضّلا محضاً ونعمة زائدة
منه تعالى على صلحاء عباده الّذين جاهدوا في سبيله ، كما قال عزّ من قائل :
( والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ) ( 4 ) . وإليها الإشارة بقوله تعالى : ( يهدي من
يشاء ) ( 5 ) وقول العبيد بمقتضى أمره وتلقينه : ( اهدنا الصراط المستقيم ) ( 6 ) وقول
المعصوم ( عليه السلام ) : " اللّهمّ اهدنا من عندك " ( 7 ) .
فهو جلّ وعلا يتكرّم بذلك على بعض عبيده « ومن يشاء يهدي » بهذا المعنى
بإعانته وتنشيطه على العمل الجارحي ، وإفاضة النور في قلبه للاعتقاد الجانحي
بسبب تحبيب الإيمان والطاعة إليه ، وإلقاء كراهة الشرّ والكفر في نفسه ، كما قال
سبحانه : ( لكنّ الله حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر
والفسوق والعصيان ) ( 8 ) .
وبذلك يتنشّط العبد لفعل الخير ، والاحتراز عن الشرّ ، من غير كره ولا جبر .
وقد انقدح بذلك أنّ الهداية لها معنيان :
أحدهما : إراءة الطريق .
هامش
( 1 ) الليل : 12 . .
( 2 ) الإنسان : 3 .
( 3 ) فصّلت : 17 .
( 4 ) العنكبوت : 69 . .
( 5 ) الأنعام : 88 .
( 6 ) الحمد : 6 .
( 7 ) المصباح للشيخ الطوسي في التعقيبات .
( 8 ) الحجرات : 7 .