شرح
ومنها : الإثبات في اللوح المحفوظ ، وهو كناية عن علمه تعالى على ما قيل ، كما
في قوله عزّوجلّ : ( وقضينا إليه ذلك الأمر ) ( 1 ) ( إلا امرأته قدّرناها من الغابرين ) ( 2 ) .
وقال الشاعر :
واعلم بأنّ ذا الجلال قدّره * في الصحف الأُولى الّتي قد سطره
إلى غير ذلك من المعاني المذكورة له في كتب اللغة ( 3 ) .
ويشهد لذلك ما ورد عن مولى الموالي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) عند مُنصرفه من
حرب صفّين ، حين ما سأله الشيخ عن مسيرهم إلى الشام أنّه هل كان ذلك بقضاء
الله وقدره ؟
فأجابه الإمام ( عليه السلام ) مقروناً بالقسم : أنّه لم يكن شيء من مسيره ذلك ورجوعه
إلاّ بقضائه تعالى وقدره .
فانقبض الشيخ ؛ زعماً منه أنّ القضاء في كلامه ( عليه السلام ) معناه الجبر ، وقال : عند الله
أحتسب عنائي ، وما أرى لي من الأجر شيئاً .
فغضب الإمام ( عليه السلام ) وقال له : " مه أيّها الشيخ ، بل عظّم الله أجركم في مسيركم
وأنتم سائرون ، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون ، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم
مكرهين ، ولا إليها مضطرّين " .
إلى أن قال ( عليه السلام ) : " ويحك يا شيخ ، لعلّك ظننت قضاءً لازماً ، وقدراً حتماً ، ولو
كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، والوعد والوعيد ، والأمر والنهي " .
إلى قوله ( عليه السلام ) : " تلك مقالة عَبدَة الأوثان ، وجنود الشيطان ، وشهود الزور ،
وأهل العمى عن الصواب ، وهم قدرية هذه الأُمّة ومجوسها إنّ الله تعالى أمر
تخييراً ، ونهى تحذيراً " ( * ) إلى آخر ما بيّن ( عليه السلام ) وأفاد .
هامش
( * ) قال أبو الحسن المصري ومحمود الخوارزميّ إنّ تشبيه الجبريّة بالمجوس في كلامه ( عليه السلام )
من وجوه أربعة :
أحدها : أنّ المجوس اختصّوا بمقالات سخيفة واعتقادات واهية معلومة البطلان وكذلك الجبرية .
ثانيها : أنّ المجوس قالوا : إنّ الله يخلق الفعل ثمّ يتبّرأ منه كما خلق إبليس ثمّ تبّرأ منه ،
وكذلك الجبرية قالوا إنّ الله يفعل القبائح ثمّ يتبّرأ منها .
ثالثها : قال المجوس : إنّ نكاح الأخوات والأُمّهات إنّما هو بقضاء الله وقدره وإرادته وقد
وافقهم الجبرية على ذلك وصدقوهم في مقالتهم تلك .
رابعها : قالت المجوس : إنّ القادر على الخير لا يقدر على الشرّ وبالعكس ، وكذا الجبرية
حيث قالوا : إنّ القدرة علّة موجبة للفعل مقارنة له غير متقدّمة عليه . ومعنى ذلك أنّ القادر على
الخير لا يقدر على ضدّه ، وكذا العكس انتهى . وقد تقدّم في البحث الأوّل بعض ما أُنشئ نظماً في
نقد الجبر " سألت المخنّث " إلى آخره .
وقد حكي في ذلك حكايات لطيفة .
منها : أنّ سلام القارئ صعد ذات يوم المأذنة وأشرف منها على داره فرأى غلاماً يفجر
بجاريته ، فنزل إليهما مسرعاً ، ولما انتهى إلى الغلام وهمّ بضربه صرخ الغلام وقال : يا سيّدي
القضاء والقدر ساقانا ، فأفحم سلام واستبشر بكلام الغلام ، وأنعم عليه وقال له : لعلمك بالقضاء
والقدر أحبّ شيء إليَّ ثمّ أطلقه مكرماً .
ومنها : ما حكى عن شيخ إصبهان من أنّه رأى رجلا يفجر بزوجته ، فتقدّم إليهما مغضباً
لينتقم منهما ، فصرخت عليه المرأة وقالت : القضاء والقدر ، فقال لها : يا عدوّة الله تزنين ثمّ
تعتذرين بمثل هذا ، فقالت له أُوه تركت السنّة وأخذت مذهب ابن عبّاد الرافضي ، فسكن غضب
الشيخ وامتنع عن ضربها واستبشر بكلامها ، ثمّ عانقها وقبّلها واعتذر إليها من غضبه وأكرمها
بهدية فاخرة كفّارة عن ذلك .
ومنها : ما جرى بين عدليٍّ وجبريٍّ من محاججة طويلة إلى أن قال العدلي : فما معنى قوله
تعالى : ( وما منع الناس أن يؤمنوا ) قال الجبري : لا معنى له ، لأنّه هو المانع لهم عن ذلك ، قال
العدلي : وما معنى قوله سبحانه : ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وأنتم ) فقال الجبري : قد فعل
هو بهم ذلك ، ثمّ عذّبهم من غير ذنب ، ولا معنى لهذه الآيات . قال العدلي : فهذا ردّ للكتاب ،
فنهض الجبري مغضباً وقال : أيش أصنع إذا كان هو المذهب ، إلى غير ذلك من حكايات مضحكة
أو مدهشة .
فيا قبح ذا الإسلام من بعد حسنه * إذا كان هذا مذهباً منه يتبع
منه عفي عنه .
( 1 ) الحجر : 66 . .
( 2 ) النمل : 57 .
( 3 ) معجم مقاييس اللغة 5 : 99 .