فحُسن فعل العبد باختياره * لا مطلقاً يمنع عن إجباره
ولم يرد تكوين أمر لم يرد * فاعله وإن أراده وجد
فارتطم الأمر على من جذبه * ضلاله إلى حديث الغلبة
يهدي الورى إلى سبيل الرشد * ربّ الورى ومن يشاء يهدي
شرح
ولم تكن إرادته تلك إرادة تكوينية كي يستلزم مقهوريته عند اختلاف إرادته
مع إرادتهم .
« فحسن فعل العبد » على ما تقدّم بيانه إنّما يكون إذا صدر منه « باختياره »
وعندئذ يستوجب المدح والتحسين لدى العقلاء « لا مطلقاً » فإنّه بضرورة
الوجدان لا يمدح لديهم إذا صدر الفعل منه جهلا أو غلطاً ؛ فضلا عمّا إذا صدر منه
جبراً ، وإن فرض حسن الفعل بنفسه . وقد تقدّم بيان كلّ ذلك .
وعليه فاختصاص مدحهم بصورة اختياره وإرادته « يمنع عن » صحّة دعوى
« إجباره » كما عرفت .
« و » عرفت أيضاً أنّه تعالى « لم يرد تكوين أمر لم يرد » أي لم يختره
« فاعله ، و » أنّه « إن أراده » تكويناً « وجد » قهراً على العبد ، وأنّ الخصم الغبي لم
يميّز بين الإرادتين « فارتطم » أي التبس « الأمر على من جذبه » جهله
و « ضلاله إلى » ما عرفت من « حديث الغلبة » على إرادة الله تعالى ، والحمد لله
الّذي هدانا إلى الحقّ القويم ، وصراطه المستقيم .
المبحث الرابع
في امتناع إضلاله تعالى لعباده عقلا وإجماعاً وكتاباً وسنّةً
ولا شبهة عندنا في أنّه « يهدي الورى » عامّة « إلى سبيل الرشد ربّ الورى »
ويُريهم طريق الحقّ عن الباطل بإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، ويبيّن لهم الآيات
الدالّة على وجوده المقدّس ، ووحدانيته ، بعد تفضّله عليهم بالعقل والإدراك .