ولا يُنافي كَونه مقدوره * وجوبه العارض بالضرورة
شرح
« و » عرفت عند بيان ثبوت القدرة على نفس الصادر بالمباشرة أنّه
« لا ينافي كونه مقدوره وجوبه العارض » عليه بعد تحقّق علّته .
وذلك لأنّ المعيار في صحّة توصيف المرء بالقادر إنّما هو عدم كونه في
إصدار الفعل مقهوراً أو مجبوراً عند إرادته ذلك . إمّا بالمباشرة وإمّا بالتسبيب .
أما ترى صحّة نسبة أعمال أصحاب الحرف والصنائع كالبنّاء والنجّار
وأمثالهما إلى الآمر بها ، فيقال في العرف بكلّ صراحة على سبيل الحقيقة : إنّ الملك
مثلا عمّر القصر الكذائي ، مع أنّه لم يكن منه إلاّ السبب المقتضي للتعمير ، وهو
الأمر أو بذل المال .
أو يقال : إنّه قادر على ذلك ، مع أنّ الحاصل منه ليس إلاّ إيجاد السبب أو
القدرة على إيجاده مع أنّ السبب منه لم يكن علّة تامّة لتحقّق المأمور به قهراً عليه .
فما ظنّك بالتوليدي القهري ؛ فإنّ نسبة إيجاده أو نسبة القدرة عليه إلى فاعل
السبب أوضح وأحرى « بالضرورة » والبداهة .
وإلاّ لزم صِدق المجبور على الخالق تعالى - والعياذ بالله - بالنسبة إلى
توليدياته المسبّبة عن أفعاله ، نظير وجود النهار مثلا المسبّب عن خلقه الشمس ،
ولا يتفوّه بذلك مسلم ، ولا غيره من العقلاء .
ثمّ إذ قد ثبت ذلك اتّضح إمكان تعلّق الأحكام التكليفيّة الشرعية المستتبعة
للمثوبة والعقوبة بنفس التوليديات .
وبذلك يتضّح إمكان اشتمالها بذواتها على المصالح الواقعية بعد ما عرفت من
التلازم بينها وبين الأحكام الشرعية ، هذا .
وقد أنكرت الأشاعرة كلّ ذلك على ديدنهم في إنكار كثير من العقليات
الضرورية ، وتبعهم جمع من المعتزلة في ذلك ، فأنكروا أوّلا : كون التوليدي فعلا
صادراً عن فاعل سببه ، ولو على القول بثبوت الاختيار والقدرة له على ما فعله