شرح
وأنّ ذلك يشهد بأنّ الكتابة قد صدرت من قوّة قاهرة لقدرة العبد ، وهي القدرة
الربوبية الّتي أوقعت الاختلاف بين أفراد الكتابة المتكرّرة ، وميّز بعضها عن بعض
ولو في الجملة قهراً على العبد إمّا تنبيهاً للعبد على عجزه ، وخروج فعله عن
سلطته ، وتبييناً له أنّه مقهور تحت إرادة ربّه .
وإمّا لغير ذلك من المصالح الخفية .
وإذ ثبت بذلك ما هو المطلوب - وهو الجبر - ولو في فعل واحد من أفعاله
ثبت أيضاً في سائر أفعاله بعدم القول بالفصل .
وبذلك كلّه يثبت قصور العبد ، وعدم تأثير قدرته في شيء من أفعاله .
والجواب أوّلا : عدم تسليم امتناع الإعادة في شيء من أفعاله وأقواله
وحركاته وسكناته الصادرة منه ؛ وذلك لما يشاهد كثيراً من التماثل التامّ بين كثير
من أفراد فعل واحد منه .
وثانياً : أنّ الامتناع المذكور بعد تسليمه لم يكن مسبّباً إلاّ عن عدم إحاطته
بجهات فعله وقصوره عن ضبط ما وقع منه بجميع خصوصياته وكيفياته في نفسه ،
لا أنّ ذلك ينبئ عن قصور قدرته .
وأنّ تصديق العرف والعقلاء أقوى شاهد على ذلك ؛ فإنّهم لا يرون الاختلاف
بين أفراد عمله الواحد إلاّ مستنداً إلى ما ذكرنا ، لا إلى مقهوريته في فعله ، فأحفهم
السؤال ، واستخبرهم الحال يتّضح لك صدق المقال .
وهذا تمام الكلام في الأفعال الاختيارية القائمة بالمخلوقين قيام الصفة
بالموصوف .
وقد ظهر لك بكلّ ما ذكرنا ثبوت الاختيار لهم فيها ، وانتسابها إليهم على نحو
الحقيقة والصدق عقلا ، ونقلا ، ولغةً ، وعرفاً ، من غير عناية ولا مجاز ، خلافاً
للأشاعرة كما عرفت .
وهكذا الكلام والاختلاف بيننا وبينهم عيناً فيما يتولّد قهراً من أفعال العباد
المباشرية الاختيارية ، وهي المسمّاة بالتوليدية ، كإحراق النار مثلا لمن أُلقي فيها ،