شرح
والشاهد على ذلك حكم العرف والعقلاء ، هذا .
مع ما قيل من لزوم التعادل في طرفي القياس عند أهله من حيث الأثر ، ولزوم
تساويهما فيه .
وأمّا مع اختلافهما فيه ، ووجود الفارق الواضح بينهما ، فلا يجوز ذلك قولا
واحداً ، كما فيما نحن فيه . حيث إنّ الحُسن المُنتسب إليه تعالى إنّما هو باعتبار
أثره الخاصّ ، وهو كون فعله موجباً للنظام الكامل ، وموافقاً للحكمة البالغة ،
والمصلحة التامّة ، والفوائد الكثيرة العائدة إلى عبيده ، من غير أن يكون فيه أدنى
فائدة أو شائبة نفع لنفسه المقدّسة .
وذلك بخلاف الحُسن المنتسب إلى أفعال العبيد ؛ فإنّه ليس إلاّ باعتبار عَود
منافعها إليهم .
وعليه فليس الأثران عدلين ، وليس الموجب لتوصيف أفعالهم بالحسن إلاّ
من جهة كونها خيراً لأنفسهم ، ولا عدل لها في فعل الخالق تعالى .
وأمّا أفعاله سبحانه ، فهي خير في أنفسها ، ولا عدل لها في أفعالهم .
فكم بينهما فرق واضح .
ومعه كيف يقاس أحدهما على الآخر ، وليس يجمعهما جهة حُسن تصحّح
القياس والترجيح ، فتأمّل .
وأيضاً أنّ الحُسن والقبح ، وكذا الخير والشرّ إنّما يختلفان بالإضافة إلى
الفاعل ، كما في ضرب اليتيم مثلا ؛ فإنّه حَسن إذا صدر من وليّه تأديباً ، وقبيح إذا
وقع من عدوّه ظلماً .
وعليه فالطاعة إذا نُسبت إلى العبد وصفت بالحسن . وأمّا إذا نسبت إلى المولى
الآمر بها فلا ، حيث إنّ المستحسن منه هو القيام بوظائف المولوية ، وإصلاح شؤون
عبده . وحينئذ فلا يصحّ القياس بين الفاعلين أيضاً كما عرفت عدم صحّته بين
الفعلين ، ولا يجوز ترجيح أحدهما على الآخر .