والعلم تفصيلا بما ينويه * لم يرع بل إجماله يكفيه
شرح
والترجيح لا يكون إلاّ بعد إحاطة علمه بجميع وجوه فعله .
ومن الواضح أنّ العقلاء جلّهم ، بل كلّهم يُقدمون كثيراً ما على أفعال لم يحيطوا
علماً بجهاتها المذكورة . والوجدان أقوى شاهد على ذلك .
ولولا الجبر لزم خروجهم عن كونهم عقلاء ، وذلك خلف واضح .
وإذ ثبت الجبر في تلك الأفعال ، ثبت أيضاً في غيرها الشاذّ النادر بعدم القول
بالفصل ( 1 ) .
« و » الجواب : المنع جدّاً عن لزوم « العلم تفصيلا » بجميع وجوه الفعل سلفاً ،
وعن اشتراط الإحاطة السابقة « بما ينويه » ويقصد إيجاده . فإنّ ذلك « لم يرع »
ولم يشترط في ارتكاب الفعل قطعاً « بل » المتيقّن لزومه من العلم إنّما هو « إجماله »
بمعنى التأمّل في الجملة بجهاته فإنّ العاقل « يكفيه » ذلك محرّكاً له على عمله .
كيف لا ! وإنّ الإحاطة التامّة بجميع مصالح الفعل ومفاسده سلفاً ، والعلم
التفصيلي بمقارناته ولوازمه المترتّبة عليه ونتائجه المستفادة منه وأمثالها قبل إيجاده
مختصّة بالباري تعالى وخلفائه المعصومين ( عليهم السلام ) الموحى إليهم علم الغيب من ربّهم .
وهم المرتضون المشار إليهم بقوله سبحانه : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه
أحداً * إلاّ من ارتضى من رسول ) ( 2 ) .
وأمّا غيرهم فلا يمكن ذلك لهم .
ودعوى اشتراطه في جميع أفعالهم فاسدة جدّاً .
وعليه فإقدام العقلاء جلاّ أو كلاّ على أعمالهم مع عدم حصول العلم التفصيلي
لهم - كما اعترف به الخصم - شاهد لما ذكر من اكتفائهم بالعلم الإجمالي ، ومؤيّد
بل دليل للمطلوب ، لا أنّه شاهد للجبر .
هامش
( 1 ) الأربعون للرازي : 231 ، شرح التجريد للقوشجي : 447 .
( 2 ) الجنّ : 26 و 27 .