تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
والعلم تفصيلا بما ينويه * لم يرع بل إجماله يكفيه
شرح
والترجيح لا يكون إلاّ بعد إحاطة علمه بجميع وجوه فعله . ومن الواضح أنّ العقلاء جلّهم ، بل كلّهم يُقدمون كثيراً ما على أفعال لم يحيطوا علماً بجهاتها المذكورة . والوجدان أقوى شاهد على ذلك . ولولا الجبر لزم خروجهم عن كونهم عقلاء ، وذلك خلف واضح . وإذ ثبت الجبر في تلك الأفعال ، ثبت أيضاً في غيرها الشاذّ النادر بعدم القول بالفصل ( 1 ) . « و » الجواب : المنع جدّاً عن لزوم « العلم تفصيلا » بجميع وجوه الفعل سلفاً ، وعن اشتراط الإحاطة السابقة « بما ينويه » ويقصد إيجاده . فإنّ ذلك « لم يرع » ولم يشترط في ارتكاب الفعل قطعاً « بل » المتيقّن لزومه من العلم إنّما هو « إجماله » بمعنى التأمّل في الجملة بجهاته فإنّ العاقل « يكفيه » ذلك محرّكاً له على عمله . كيف لا ! وإنّ الإحاطة التامّة بجميع مصالح الفعل ومفاسده سلفاً ، والعلم التفصيلي بمقارناته ولوازمه المترتّبة عليه ونتائجه المستفادة منه وأمثالها قبل إيجاده مختصّة بالباري تعالى وخلفائه المعصومين ( عليهم السلام ) الموحى إليهم علم الغيب من ربّهم . وهم المرتضون المشار إليهم بقوله سبحانه : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً * إلاّ من ارتضى من رسول ) ( 2 ) . وأمّا غيرهم فلا يمكن ذلك لهم . ودعوى اشتراطه في جميع أفعالهم فاسدة جدّاً . وعليه فإقدام العقلاء جلاّ أو كلاّ على أعمالهم مع عدم حصول العلم التفصيلي لهم - كما اعترف به الخصم - شاهد لما ذكر من اكتفائهم بالعلم الإجمالي ، ومؤيّد بل دليل للمطلوب ، لا أنّه شاهد للجبر .
هامش
( 1 ) الأربعون للرازي : 231 ، شرح التجريد للقوشجي : 447 . ( 2 ) الجنّ : 26 و 27 .