ومن أبى فباختيار الخالقِ * رُدّ والاستقلال غير فارقِ
وفي اختلاف أثر الأقوى فلم * يخرج مُراد العبد من كتم العدم
شرح
« ومن أبى » وأنكر ذلك جهلا أو عناداً « فباختيار الخالق » جلّ وعلا وثبوته
فيه اتّفاقاً من الفريقين أُلقم حجراً و « ردّ » عليه دعواه حيث إنّه لا شبهة ولا
خلاف في عروض الوجوب على فعله الصادر منه سبحانه باختياره وإرادته ، وأنّ
ذلك غير مناف لاختياره الذاتي المتقدّم على الوجوب العرضي .
ودعوى الفرق بين إرادته تعالى ، وإرادة العبد ، بكون إرادة الربّ سبحانه
قديمة مستقلّة بنفسها غير محتاجة إلى علّة ، بخلاف إرادة العبد ، حيث إنّها باعتبار
إمكانها واحتياجها إلى العلّة تابعة ، بل معلولة لإرادته تعالى على ما تقدّمت إليه
الإشارة غير مسموعة .
« و » ذلك لوضوح أنّ « الاستقلال » وعدمه « غير فارق » في ما نحن بصدده
من ثبوت الاختيار للعبد بعد تسليم القدرة المتقدّمة على الفعل فيه ، وثبوت وصف
الاختيار له المصحّح للتكليف ، والموجب لاستحقاق الثواب والعقاب . وذلك فيما
لو خُلّي وطبعه ، ولم يزاحمها ما هو أقوى منها في كمال الوضوح .
« و » كذا « في » صورة التزاحم ووقوع « اختلاف » بينهما وبين ما هو أقوى
منها ؛ فإنّه وإن قصرت القوّة الضعيفة العاجزة حينئذ و « أثر الأقوى فلم » يتمكّن
الضعيف من تنفيذ قدرته ، ولم « يخرج مُراد العبدِ من كتم العدم » إلى الوجود .
ولكن ذلك لا يثبت جبره على أفعاله الاختيارية الصادرة منه ، كما هو واضح .
- خامسها -
أنّه لو كان العبد مختاراً فيما يصدر منه ، لزمه أن لا يقدم على عمل إلاّ بعد
إحاطته تفصيلا بجميع مصالحه ومفاسده ولوازمه ونتائجه حتّى يترجّح الفعل في
نفسه ويختاره فيوجده . حيث إنّ العاقل المختار لا يفعل إلاّ ما هو الراجح عنده .