ولا ينافيه الوجوب الطاري * بل فيه تأكيد للاختيار
شرح
ومن هنا تظهر لك المناقشة ثانياً فيما ذكره من أنّ الإرادة علّة لصدور الفعل ؛
فإنّ ذلك ممنوع جدّاً ، حيث إنّها ليست إلاّ عبارة عن الشوق الأكيد المنقدح في
النفس ، وأنّ الوجدان أقوى شاهد على تخلّف ذلك عن وقوع الفعل أحياناً لمانع
عن تنجيز الإرادة ، كالخوف والرجاء والحياء وأمثالها . ولو كانت علّة موجبة له لما
أمكن التخلّف .
فهي وإن كانت صفة تنقدح في نفس الإنسان قهراً عليه ، إمّا للخير بهداية من
الله تعالى وإرادته على ما هو ظاهر الآية المذكورة المصرّحة بترتّب مشيئة العبيد
على مشيئته تعالى .
وإمّا للشرّ بتسويل من إبليس على ما هو ظاهر الآية الشريفة الحاكية عنه
قوله : ( لأُزيّننَّ لهم في الأرض ولأُغوينَّهم أجمعين ) ( 1 ) .
ولكنّها لا توجب الجبر على إيقاع الفعل ، وليست هي إلاّ من المقتضيات له ،
القابلة للردع والمنع باختيار الحسن أو القبيح .
وعليه فليست العلّة للفعل إلاّ الاختيار المتأخّر عن الإرادة ، وهو نقيض الجبر
كما عرفت .
نعم بعد تحقّق الاختيار الّذي هو علّة لوجود الفعل يجب تحقّق الفعل خارجاً ،
ولكنّه وجوب عارضي بسبب وجود علّته ، وعدم إمكان التفكيك بين العلّة
والمعلول كما عرفت . فهو في طول الاختيار ، لا في عرضه كي يزاحمه أو يزيله .
« ولا ينافيه الوجوب الطاري » على الفعل بعد كونه معلولا لقدرة العبد واختياره .
« بل فيه تأكيد للاختيار » فإنّه لولا اختياره لما وجب تحقّق الفعل . ولذلك
اشتهر بين أهل الفنّ أنّ " الوجوب أو الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار "
والعرف أقوى شاهد على ذلك .
هامش
( 1 ) الحجر : 39 .