تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
ولا ينافيه الوجوب الطاري * بل فيه تأكيد للاختيار
شرح
ومن هنا تظهر لك المناقشة ثانياً فيما ذكره من أنّ الإرادة علّة لصدور الفعل ؛ فإنّ ذلك ممنوع جدّاً ، حيث إنّها ليست إلاّ عبارة عن الشوق الأكيد المنقدح في النفس ، وأنّ الوجدان أقوى شاهد على تخلّف ذلك عن وقوع الفعل أحياناً لمانع عن تنجيز الإرادة ، كالخوف والرجاء والحياء وأمثالها . ولو كانت علّة موجبة له لما أمكن التخلّف . فهي وإن كانت صفة تنقدح في نفس الإنسان قهراً عليه ، إمّا للخير بهداية من الله تعالى وإرادته على ما هو ظاهر الآية المذكورة المصرّحة بترتّب مشيئة العبيد على مشيئته تعالى . وإمّا للشرّ بتسويل من إبليس على ما هو ظاهر الآية الشريفة الحاكية عنه قوله : ( لأُزيّننَّ لهم في الأرض ولأُغوينَّهم أجمعين ) ( 1 ) . ولكنّها لا توجب الجبر على إيقاع الفعل ، وليست هي إلاّ من المقتضيات له ، القابلة للردع والمنع باختيار الحسن أو القبيح . وعليه فليست العلّة للفعل إلاّ الاختيار المتأخّر عن الإرادة ، وهو نقيض الجبر كما عرفت . نعم بعد تحقّق الاختيار الّذي هو علّة لوجود الفعل يجب تحقّق الفعل خارجاً ، ولكنّه وجوب عارضي بسبب وجود علّته ، وعدم إمكان التفكيك بين العلّة والمعلول كما عرفت . فهو في طول الاختيار ، لا في عرضه كي يزاحمه أو يزيله . « ولا ينافيه الوجوب الطاري » على الفعل بعد كونه معلولا لقدرة العبد واختياره . « بل فيه تأكيد للاختيار » فإنّه لولا اختياره لما وجب تحقّق الفعل . ولذلك اشتهر بين أهل الفنّ أنّ " الوجوب أو الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار " والعرف أقوى شاهد على ذلك .
هامش
( 1 ) الحجر : 39 .