شرح
وفسّر الانفعالي بالعلم المتأخّر ، وأنّه هو التابع للمعلوم .
ثمّ قال : وأمّا الفعلي منه فهو علّة للمعلوم ومتقدّم عليه ، ومثّل لذلك بعلم
المهندس وتصوّره لما يريد إحداثه ، وزعم كونه علّة لما يحدثه من العمل على
طبق علمه ، وأنّه متقدّم على المعلوم في الرتبة والزمان كليهما .
ثمّ حمل كلام شيخه على ذلك وادّعى صحّته .
وأنت خبير بمشاركة ذلك في الفساد مع أصل الدعوى إن لم يكن أفسد منه .
وذلك لما عرفت فيما تقدّم من أنّ العلّة الوحيدة للفعل الاختياري ليست إلاّ
نفس الاختيار المنبعث من الإرادة وأمّا التصوّر المتقدّم عليه فهو من العلوم
التصورية الّتي هي بمعزل عن العلّية ، وليست إلاّ من قبيل الشرائط لتأثير العلّة كما
في شرطية جفاف المحترق مثلا لتأثير النار في الإحراق ؛ مع وضوح أجنبية
الجفاف عن العلّية . وكذا شرطية الطهارة مثلا لتحقّق الصلاة ، مع أنّ تحقّقها خارجاً
ليست إلاّ معلولة للاختيار . وهكذا الحال في سائر الشرائط لسائر الأُمور كما هو
واضح لمن كان له أدنى شعور .
فما هذا الخلط الشنيع ، وتسمية التصوّر علماً فعلياً ، ثمّ دعوى علّيته للعمل
الخارجي ؟ !
وهل هو إلاّ كلام خابط معتوه ، أو هجر جاهل مبهوت ؟ !
وأيضاً لو كان التصوّر المذكور علّة للعمل لزم اقترانه به ، واستحال تخلّفه عنه
لما علمت من امتناع تخلف المعلول عن علّته .
ومن الواضح بشهادة الوجدان وقوع التخلّف كثيراً بين التصوّر والعمل .
وأيضاً لو قيل بذلك ، لزم القول بمثل ذلك في علم الإنسان بالعمل الصادر من
غيره ، فيقال فيما لو علم زيد مثلا موت عمرو في الغد : إنّ علمه السابق صار علّة
لموت عمرو ، أو أنّ علمه بطلوع الشمس غداً كان علّة له .
وهل يتفوّه بمثل ذلك ذو مسكة ؟ كلاّ ، ثمّ كلاّ .