تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
ومن أبى فمفحم بمثله * في ربّه لعلمه بفعله
شرح
وعليه « فعلم الباري » تعالى لم يكن علّة محدثة لها كي يلزم الجبر في أفعال العباد ، وإلاّ لزم قدم الكائنات باعتبار لزوم الاقتران بين العلّة والمعلول ، وقد تقدّم بيان ذلك في مبحث الإرادة ، فراجع . وقد انقدح بذلك : أنّ علمه القديم « غير مناف » لما هو المشاهد وجداناً من ثبوت « وصف الاختيار » في العباد . « ومن أبى » ذلك جهلا أو عناداً « فمفحم بمثله في » أفعال « ربّه » حيث إنّه لا شبهة في أنّه تعالى قد كان عالماً أزلا بجميع ما يحدثه في مستقبل الدهر تدريجاً ، وأنّه يوجد كلاّ من الكائنات في أوانه . وحينئذ ولو كان علمه علّة تامّة لوجود المعلوم قهراً ، لزم كونه سبحانه أيضاً مقهوراً في خلقه الحوادث التدريجية ، وذلك « لعلمه » القديم « بفعله » وإيجاده لها . وقد اعترف عالم القوم في شرحه على المواقف بكلّ ذلك معترضاً به على إمامه بأنّ العلم تابع للمعلوم ، ومتأخّر عنه في الرتبة . ولا يعقل كونه سبباً لمعلومه . ثمّ قال : فالعلم بأنّ زيداً سيقوم غداً مثلا إنّما يتحقّق إذا كان هو في نفسه بحيث يقوم فيه دون العكس ، فلا مدخل للعلم في وجوب الفعل وامتناعه وسلب القدرة والاختيار ، وإلاّ لزم أن لا يكون الربّ تعالى فاعلا مختاراً لكونه عالماً بأفعاله وجوداً وعدماً ( 1 ) انتهى . ثمّ إنّه لوضوح الأمر وظهور فضيحة الرجل في تلك المقالة ، نهض بعض أتباعه لترميم فاسده ، وقسّم العلم قسمين ، فعلياً وانفعالياً .
هامش
( 1 ) شرح المواقف 8 : 157 .