ومن أبى فمفحم بمثله * في ربّه لعلمه بفعله
شرح
وعليه « فعلم الباري » تعالى لم يكن علّة محدثة لها كي يلزم الجبر في أفعال
العباد ، وإلاّ لزم قدم الكائنات باعتبار لزوم الاقتران بين العلّة والمعلول ، وقد تقدّم
بيان ذلك في مبحث الإرادة ، فراجع .
وقد انقدح بذلك : أنّ علمه القديم « غير مناف » لما هو المشاهد وجداناً من
ثبوت « وصف الاختيار » في العباد .
« ومن أبى » ذلك جهلا أو عناداً « فمفحم بمثله في » أفعال « ربّه » حيث إنّه
لا شبهة في أنّه تعالى قد كان عالماً أزلا بجميع ما يحدثه في مستقبل الدهر
تدريجاً ، وأنّه يوجد كلاّ من الكائنات في أوانه .
وحينئذ ولو كان علمه علّة تامّة لوجود المعلوم قهراً ، لزم كونه سبحانه أيضاً
مقهوراً في خلقه الحوادث التدريجية ، وذلك « لعلمه » القديم « بفعله » وإيجاده لها .
وقد اعترف عالم القوم في شرحه على المواقف بكلّ ذلك معترضاً به على
إمامه بأنّ العلم تابع للمعلوم ، ومتأخّر عنه في الرتبة .
ولا يعقل كونه سبباً لمعلومه .
ثمّ قال : فالعلم بأنّ زيداً سيقوم غداً مثلا إنّما يتحقّق إذا كان هو في نفسه
بحيث يقوم فيه دون العكس ، فلا مدخل للعلم في وجوب الفعل وامتناعه وسلب
القدرة والاختيار ، وإلاّ لزم أن لا يكون الربّ تعالى فاعلا مختاراً لكونه عالماً
بأفعاله وجوداً وعدماً ( 1 ) انتهى .
ثمّ إنّه لوضوح الأمر وظهور فضيحة الرجل في تلك المقالة ، نهض بعض
أتباعه لترميم فاسده ، وقسّم العلم قسمين ، فعلياً وانفعالياً .
هامش
( 1 ) شرح المواقف 8 : 157 .