والعلم تابع فعلم الباري * غير مناف وصف الاختيار
شرح
وذلك قول الشاعر الفارسي :
مى خوردن من حق ز أزل مى دانست * ور مى نخورم علم خدا جهل بود
ومضمونه أنّ الله علم أزلا أنّي أشرب الخمر ؛ فإن لم أشربه لزم الجهل فيه .
وحينئذ فلا غرو القول بالجبر في أفعال العباد وقهره تعالى لهم عليها على
سبيل قهره لسائر تكوينياته ( 1 ) .
والجواب : أنّها أيضاً مغالطة صرفة ، « و » ذلك لوضوح أنّ « العلم تابع »
للمعلوم ، ومتأخّر عنه رتبة ، وإن تقدّم عليه زماناً . حيث إنّ معناه انكشاف الشيء ،
ومن الواضح أنّ ذلك فرع وجود الشيء إمّا بوجوده العلمي ، وإمّا بوجوده الذهني ،
وإمّا بوجوده الخارجي .
وحينئذ فلابدّ من تقدّم المعلوم ؛ لكونه سبباً للعلم ، سواء كان تقدّماً علمياً أو
ذهنياً أو خارجياً .
وذلك لوضوح لزوم تقدّم السبب على المسبّب ، ولو رتبة ، سواء اقترنا زماناً
كسببية وجود النار مثلا للحرارة ووجود الماء للرطوبة ووجود الشمس لوجود
النهار ، أو اختلفا وتقدّم المسبّب على السبب في الزمان ، كعلمنا بالحوادث
المستقبلة ، نظير طلوع الشمس في الغد ، أو فناء الدنيا ، وقيام القيامة مثلا ، فإنّه لا
شبهة في كون المعلوم في جميعها متقدّم رتبة .
نعم حيث إنّه تعالى منزّه عن التركّب وعن ثبوت الذهن له ، وعن التصوّر ، لم
يكن للكائنات قبل إيجادها وجود ذهني ، فضلا عن الوجود الخارجي ، فلا جرم
نقول : إنّها بوجودها العلمي كانت متقدّمة في الرتبة على العلم القديم الأزلي .
ومعنى ذلك : أنّه لولا وقوعها في مستقبل الأزمان ، لما تعلّق به العلم المقدّس الذاتي .
هامش
( 1 ) شرح المواقف 8 : 155 .