شرح
والجواب : أنّ ما ذكر خروج عن موضوع البحث ؛ فإنّ المدّعى في المقام هو
تأثير إرادة العبد في أفعاله الاختيارية الّتي لم يزاحمها إرادة قاهرة لإرادته ،
كمتعلّقات الأحكام التشريعية وأمثالها الّتي أوكل الربّ تعالى أمرها فعلا وتركاً
إلى إرادات العبيد واختياراتهم ( ليميز الخبيث من الطيّب ) ( 1 ) ( وليهلك من هلك
عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة ) ( 2 ) .
وأمّا إذا زاحمتها إرادة غالبة عليها قاهرة لها سواء كانت من الخالق تعالى
كإراداته التكوينية على ما بيّناها فيما تقدّم ، أو كانت من المخلوقين بحيث يصير
العبد بذلك مقهوراً في إرادته مضطرّاً في فعله أو تركه فلا كلام لنا فيه . والفرق بين
المقامين أوضح من الشمس ، وأبين من الأمس ، ولا يقاس أحدهما على الآخر .
ولذلك لا نقول بترتّب الثواب أو العقاب من الشرع ، ولا المدح أو الذمّ واللوم
من العقل على الفعل الاضطراري مع ثبوت كلّ ذلك إجماعاً من الفريقين ، وترتّبها
على الفعل الاختياري فليست الشبهة إلاّ مُغالطة محضة ، كما هو واضح .
- ثالثها -
شبهة استلزام الاختيار لانقلاب علم الباري - والعياذ بالله - بتقريب أنّه
لا شبهة ولا خلاف بين الفريقين في أنّ علمه تعالى وهو القديم الأزلي قد تعلّق
أزلا بجميع الكائنات والحوادث المستقبلة قبل وجوداتها . وأنّ منها أفعال كلّ
واحد من العبيد ، طاعة كانت أو معصية أو غيرهما . وحينئذ يجب صدورها
بأجمعها منهم قهراً عليهم على طبق العلم القديم الذاتي ؛ تثبيتاً لعدم تغيّره وثبوت
استقراره المتسالم عليه . وعليه فلو كان العبد مختاراً في إرادته وفعله ، جاز
مخالفته في ذلك للعلم القديم ، وذلك مستلزم لما ذكر من انقلاب العلم وتبدّله
المستلزم لتغيّر الذات والعياذ بالله .
هامش
( 1 ) الأنفال : 37 .
( 2 ) الأنفال : 42 .