تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
شرح
وفيه : أنّ ذلك قرين للجبر على نفس الفعل ، بل هو عينه ؛ فإنّه لا فرق في صدقه بين الإكراه على نفس الفعل ، أو الإكراه على سببه . مع أنّ ذلك أيضاً دعوى فارغة من غير شاهد ولا بيّنة . هذا كلّه مضافاً إلى ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ مذهب الجبر يفتح باباً واسعاً لاجتراء العصاة ، وقيام الحجّة لهم على ربّهم في ارتكابهم الفواحش والمنكرات ، واعتذارهم عن فعلها بالقضاء الحتمي في المقدّرات . ولقد أجاد من أفاد : سألت المخنّث عن فعله * علامَ تخنّث يا مارق فقال ابتلاني بداء العضال * وأسلمني القدر السابق ولمت الزناة على فعلهم * فقالوا بهذا قضى الخالق وقلت لآكل مال اليتيم * أكلت وأنت امرؤ فاسق فقال ولجلج في قوله * أكلت وأطعمني الرازق وكلّ يحيل على ربّه * وما فيهم أحد صادق ( 1 ) ثمّ إنّ بعض المتأخّرين من النصّاب زاد في الطنبور نغمة زعم كونها موجبةً لإصلاح مذهب شيخه وترميماً لهفوة إمامه ، فأبدع لفظ " الكسب " دفعاً لمحاذير الجبر . وقال : إنّ استحقاق العبد للثواب أو العقاب إنّما هو من جهة وقوعه محلاّ لإيجاد الربّ تعالى فيه الطاعة أو المعصية وإجباره عليهما ، فهو بمباشرته القهرية لهما يكون كاسباً لهما ، وبذلك يستوجب الثواب أو العقاب . ثمّ استشهد لذلك بظواهر آيات دلّت على استتباع الكسب للجزاء ، نحو قوله تعالى : ( جزاءً بما كانوا يكسبون ) ( 2 ) ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ) ( 3 ) . ولكنّك خبير بأنّه أفسد من أصل دعوى الجبر ؛ وذلك لوضوح أنّ الكسب ليس إلاّ عنواناً اعتباريّاً غير متأصّل ، وليس شيئاً قسيماً للفعل ، ولا مغايراً له كي
هامش
( 1 ) كنز الفوائد للكراجكي : 46 ، وفي الطبعة الجديدة 1 : 116 . ( 2 ) التوبة : 82 . ( 3 ) الأعراف : 39 .