شرح
وفيه : أنّ ذلك قرين للجبر على نفس الفعل ، بل هو عينه ؛ فإنّه لا فرق في صدقه
بين الإكراه على نفس الفعل ، أو الإكراه على سببه .
مع أنّ ذلك أيضاً دعوى فارغة من غير شاهد ولا بيّنة .
هذا كلّه مضافاً إلى ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ مذهب الجبر يفتح باباً واسعاً
لاجتراء العصاة ، وقيام الحجّة لهم على ربّهم في ارتكابهم الفواحش والمنكرات ،
واعتذارهم عن فعلها بالقضاء الحتمي في المقدّرات .
ولقد أجاد من أفاد :
سألت المخنّث عن فعله * علامَ تخنّث يا مارق
فقال ابتلاني بداء العضال * وأسلمني القدر السابق
ولمت الزناة على فعلهم * فقالوا بهذا قضى الخالق
وقلت لآكل مال اليتيم * أكلت وأنت امرؤ فاسق
فقال ولجلج في قوله * أكلت وأطعمني الرازق
وكلّ يحيل على ربّه * وما فيهم أحد صادق ( 1 )
ثمّ إنّ بعض المتأخّرين من النصّاب زاد في الطنبور نغمة زعم كونها موجبةً
لإصلاح مذهب شيخه وترميماً لهفوة إمامه ، فأبدع لفظ " الكسب " دفعاً لمحاذير
الجبر . وقال : إنّ استحقاق العبد للثواب أو العقاب إنّما هو من جهة وقوعه محلاّ
لإيجاد الربّ تعالى فيه الطاعة أو المعصية وإجباره عليهما ، فهو بمباشرته القهرية
لهما يكون كاسباً لهما ، وبذلك يستوجب الثواب أو العقاب .
ثمّ استشهد لذلك بظواهر آيات دلّت على استتباع الكسب للجزاء ، نحو قوله
تعالى : ( جزاءً بما كانوا يكسبون ) ( 2 ) ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ) ( 3 ) .
ولكنّك خبير بأنّه أفسد من أصل دعوى الجبر ؛ وذلك لوضوح أنّ الكسب
ليس إلاّ عنواناً اعتباريّاً غير متأصّل ، وليس شيئاً قسيماً للفعل ، ولا مغايراً له كي
هامش
( 1 ) كنز الفوائد للكراجكي : 46 ، وفي الطبعة الجديدة 1 : 116 .
( 2 ) التوبة : 82 .
( 3 ) الأعراف : 39 .