شرح
( ولا يرضى لعباده الكفر ) ( 1 ) وينفي أيضاً عن ذاته العليا الظلم ، وينسبه إليهم بقوله
سبحانه : ( إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة ) ( 2 ) وأمثاله المشار إليها آنفاً .
وقوله تعالى : ( ولكن كانوا هم الظالمين ) ( 3 ) ( ولكن ظلموا أنفسهم ) ( 4 ) .
وقال حكاية عن آدم وحواء ( عليهما السلام ) : ( قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا ) ( 5 ) .
وعن يونس ( عليه السلام ) : ( سبحانك إنّي كنت من الظالمين ) ( 6 ) .
وعن أهل جهنّم : ( فكذّبنا وقلنا ما نزّل الله من شيء ) ( 7 ) ( لم نك من
المصلّين ) ( 8 ) .
إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على اختيار العباد الّتي لا يسعها المقام مع
تكذيب الجبري كلّها ، وقوله : إنّ الله هو الموجد لتلك الأفعال فيهم قهراً عليهم
ولكنّه حسن كلّه منه وإن كان ظلماً فاحشاً ؟ !
ونعوذ بالله تعالى من تلك الهفوات السخيفة ، وذلك المذهب الساقط المستلزم
لتكذيب محكمات القرآن العظيم ، والمخالف لجميع الأدلّة العقلية والنقلية ، بل
الموجب لاستهزاء العقلاء ، والمنافي للضرورة والوجدان .
ولو أردنا استقصاء ما يترتّب عليه من المحاذير واللوازم الفاسدة لضاق بنا المقام .
ولذلك حار أتباع الرجل في التخلّص منها بعد حرصهم على رتق ما فتقه
شيخهم وإمامهم وذهبوا في ذلك يميناً وشمالا ، ولم يأتوا بشيء ، بل وقع بعضهم في
هوّة أبعد قراراً من هوّة شيخه نظير أبي إسحاق الشافعي الأسفرائيني ؛ فإنّه ذهب
إلى ثبوت شيء من الاختيار في الجملة للعبد في أفعاله ( 9 ) بمعنى أنّ اختياره جزء
علّة لصدور الفعل منه ، وأنّ جزأه الآخر هو إرادة الله تعالى . وعليه فتكون
الإرادتان منضمّتين علّة تامّة لذلك ، بحيث لا تأثير لإحداهما من دون الأُخرى .
هامش
( 1 ) الزمر : 7 . .
( 2 ) النساء : 40 .
( 3 ) الزخرف : 76 .
( 4 ) هود : 101 . .
( 5 ) الأعراف : 23 .
( 6 ) الأنبياء : 87 .
( 7 ) الملك : 9 . .
( 8 ) المدثّر : 43 .
( 9 ) انظر شرح المقاصد 2 : 145 .