ما فعل العبد إليه استندا * إذ منه باختياره قد وجدا
شرح
تعملون ) ( 1 ) ونظائرها ممّا ورد في الكتاب والسنّة .
فلو قيل بأنّ أفعال العباد مخلوقة لهم ، صادرة بإرادة واختيار منهم ، لزم تعدّد
الخالقين ، وذلك مخالف لما ذكر من نصوص الكتاب والسنّة .
والجواب : ما تقدّم مفصّلا في مسألة الخير والشرّ من مسائل التوحيد ،
ولا وجه لإعادته ، فراجع ، هذا .
مع أنّ الخلق بالمعنى المصدري على ما ذكره بعض اللغويّين يطلق على معنيين :
أحدهما : التقدير بمعنى الإثبات في اللوح المحفوظ ، وذلك مختصّ به جلّ
وعلا ، وإليه الإشارة بقوله سبحانه : ( لا تبديل لخلق الله ) ( 2 ) .
وثانيهما : التكوين والإيجاد خارجاً ، كما في قوله تعالى : ( خلق الإنسان من
طين ) ( 3 ) ولا وحشة في دعوى ثبوت ذلك بالمعنى الثاني للمخلوق أيضاً على ما
تقدّم بيانه ، وعرفت هناك أنّ القول به لا يوجب كفراً ولا فسقاً ، بل إنّما المستلزم
لذلك هو القول بتعدّد القدماء على ما ذهب إليه الرجل ( 4 ) .
ولذلك نقول : إنّ « ما فعل العبد » بإرادته طاعة كان أو معصية أو غيرهما فكلّه
« إليه استندا » بشهادة العرف وإجماع العقلاء « إذ منه باختياره قد وجدا » ولا
خلاف بينهم في كونه هو الموجد لفعله ، وذلك تراهم ينسبونه إليه على نحو الحقيقة
والحمل الشائع ، بقولهم : أكل زيد مثلا ، وصلّى عمرو ، وأطاع فلان ، وعصى فلان ،
وهكذا . من غير توهّم مجاز ، ولا تصوّر كناية .
ولا يصحّ عندهم نسبة شيء منها إلى الربّ تعالى ، ولو بضرب من التأويل
على ما ادّعاه الرجل من أنّ المعنى فيها أنّه سبحانه أوجد الأكل في فلان ، والطاعة
في فلان ، والمعصية في فلان قهراً عليهم من غير تأثير لإرادتهم في شيء منها أصلا ( 5 ) .
هامش
( 1 ) الصافّات : 69 . .
( 2 ) الروم : 30 .
( 3 ) السجدة : 7 .
( 4 ) انظر الإبانة : 20 .
( 5 ) انظر الإبانة : 20 ، شرح المواقف 8 : 146 .