شرح
عدم قصده وإن أوجب الحسن في نفس الفعل وصحّ توصيفه بالفعل الجميل ، ولكنّه
لا يوجب اتّصاف فاعله بالحسن ، ولا انسلاخ وصف العابث واللاغي والظالم عنه
بعد اتّصافه بها حين العمل . كما لا ينسلخ عن المجنون وصف الجنون بترتّب أثر
حسن صدفةً على بعض أفعاله الصادرة عنه لغواً من غير قصد ولا إرادة .
وكذا النائم والساهي وأمثالهما ، فإنّه لا يوصف أحد منهم بسبب ذلك
بالحكمة ، ولا يستوجب به حمداً ولا مدحاً وكلّ ذلك واضح .
ثمّ لا يذهب عليك أنّ مذهب الجبر مأخوذ من بعض الخوارج ، كجهم بن
صفوان ، وضرار بن عمرو ، وحفص الفرد ، وأضرابهم .
وقد زعم الأشعري بذلك تبعاً لهم إثبات الغلبة والقدرة للربّ تعالى .
ولكنّه بعد وضوح فساد ذلك ، واستلزامه لمحاذير كثيرة لا يتفوّه بها أدنى
عاقل ، نهض جمع آخر من الجمهور على خلاف ذلك .
وبعد التبرّي من المذهب المذكور ، أبدعوا مذهب الاعتزال على عكسه ،
وتسمّوا بالمعتزلة ، وادّعوا اعتزاله تعالى عن تدبير أُمور عباده . وأنّه سبحانه فوّض
إليهم أُمورهم بعد خلقه لهم . وأنّه لا إرادة له في شيء من أفعالهم طاعة كانت أو
معصية أو غيرهما ، فهم لا يعملون عملا إلاّ بإرادتهم وحولهم وقوّتهم .
ولا يخفى عليك أنّ القول بذلك أيضاً كسابقه في الغيّ والضلال ، بل ربما يقال :
إنّه أشنع من صاحبه ؛ لاستلزام التفويض غالباً للعجز والذلّ ، بخلاف الجبر الناشئ
من السلطة والغلبة .
وكيف كان فالمذهبان كما ترى بين إفراط وتفريط .
والحقّ الصحيح ما ذهب إليه الإماميّة - قدّس الله أسرارهم - تبعاً للإمام
الصادق ( عليه السلام ) أنّه " لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين الأمرين " ( 1 ) .
بيان ذلك : أنّ الفعل أو الترك المنبعث عن الاختيار لا شبهة في أنّه مسبوق
بمعدّات قهرية غير معلولة لإرادة الفاعل .
هامش
( 1 ) التوحيد : 36 ح 3 باب نفي الجبر والتفويض .