تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
شرح
عدم قصده وإن أوجب الحسن في نفس الفعل وصحّ توصيفه بالفعل الجميل ، ولكنّه لا يوجب اتّصاف فاعله بالحسن ، ولا انسلاخ وصف العابث واللاغي والظالم عنه بعد اتّصافه بها حين العمل . كما لا ينسلخ عن المجنون وصف الجنون بترتّب أثر حسن صدفةً على بعض أفعاله الصادرة عنه لغواً من غير قصد ولا إرادة . وكذا النائم والساهي وأمثالهما ، فإنّه لا يوصف أحد منهم بسبب ذلك بالحكمة ، ولا يستوجب به حمداً ولا مدحاً وكلّ ذلك واضح . ثمّ لا يذهب عليك أنّ مذهب الجبر مأخوذ من بعض الخوارج ، كجهم بن صفوان ، وضرار بن عمرو ، وحفص الفرد ، وأضرابهم . وقد زعم الأشعري بذلك تبعاً لهم إثبات الغلبة والقدرة للربّ تعالى . ولكنّه بعد وضوح فساد ذلك ، واستلزامه لمحاذير كثيرة لا يتفوّه بها أدنى عاقل ، نهض جمع آخر من الجمهور على خلاف ذلك . وبعد التبرّي من المذهب المذكور ، أبدعوا مذهب الاعتزال على عكسه ، وتسمّوا بالمعتزلة ، وادّعوا اعتزاله تعالى عن تدبير أُمور عباده . وأنّه سبحانه فوّض إليهم أُمورهم بعد خلقه لهم . وأنّه لا إرادة له في شيء من أفعالهم طاعة كانت أو معصية أو غيرهما ، فهم لا يعملون عملا إلاّ بإرادتهم وحولهم وقوّتهم . ولا يخفى عليك أنّ القول بذلك أيضاً كسابقه في الغيّ والضلال ، بل ربما يقال : إنّه أشنع من صاحبه ؛ لاستلزام التفويض غالباً للعجز والذلّ ، بخلاف الجبر الناشئ من السلطة والغلبة . وكيف كان فالمذهبان كما ترى بين إفراط وتفريط . والحقّ الصحيح ما ذهب إليه الإماميّة - قدّس الله أسرارهم - تبعاً للإمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه " لا جبر ولا تفويض ، بل أمر بين الأمرين " ( 1 ) . بيان ذلك : أنّ الفعل أو الترك المنبعث عن الاختيار لا شبهة في أنّه مسبوق بمعدّات قهرية غير معلولة لإرادة الفاعل .
هامش
( 1 ) التوحيد : 36 ح 3 باب نفي الجبر والتفويض .