تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
شرح
فيه للربّ تعالى فقط ، وله المنّة الكاملة على عبده بإيجاده المعدّات فيه ، المقتضية لعمله ؛ فإنّه لولاها لما رغب في ذلك الخير ، ولم يختره . فهو سبحانه لم يعتزل عنه أصلا ورأساً كي يثبت الجهل أو العجز أو السفه - والعياذ بالله - فيه تعالى ، أو يثبت الفضل للعبد عليه جلّ وعلا ، بل هو الأصيل وله الدخل التامّ في عمل الخير ، كما ورد مضمونه في كثير من الأدعية المأثورة . وأمّا إذا صدر منه الشرّ ، فهو وإن كان مسبوقاً بتلك المعدّات القهرية من النفس والأبالسة ، ولكن ليس له الحجّة فيه على ربّه تعالى بعد جعله الاختيار له ، بل لربّه سبحانه عليه الحجّة البالغة ؛ لسوء اختياره ، وترجيحه الشرّ على الخير ، مع تساوي قدرته واختياره بالإضافة إلى كلّ منهما . وبذلك يتّضح أنّه ليس مجبوراً في فعله الاختياري ، ولا هو مفوّض إليه أمر فعله بجميع معدّاته ومقدّماته ، بل أمره بين الأمرين كما في الحديث الشريف ( 1 ) . ومن هنا ينقدح معنى إضلاله تعالى لعبده في قوله سبحانه : ( يضلُّ من يشاء ) ( 2 ) . فإنّ معناه على ما ورد في السنّة - وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى - ترك إيجاد المعدّات للعبد ، وتفويض أمره إلى حوله وقوّته . وكذا معنى خذلانه تعالى له . فإنّه عند ردع العبد لتلك المعدّات الحسنة لا يستحقّ إلاّ الإعراض عنه ، الموجب لضلاله واغتنام الأبالسة خزيه وخذلانه المستوجبة لعقوبته . ثمّ إنّ ما لفّقه الأشاعرة لمذهب الجبر أُمور : - أحدها - ظواهر بعض الآيات الدالّة على انحصار الخالق فيه تعالى ، كقوله سبحانه : ( الله خالق كلّ شيء ) ( 3 ) ( هل من خالق غير الله ) ( 4 ) ( والله خلقكم وما
هامش
( 1 ) التوحيد : 360 ح 3 ، باب نفي الجبر والتفويض . ( 2 ) الرعد : 27 . ( 3 ) الرعد : 16 . ( 4 ) فاطر : 3 .