شرح
فيه للربّ تعالى فقط ، وله المنّة الكاملة على عبده بإيجاده المعدّات فيه ، المقتضية
لعمله ؛ فإنّه لولاها لما رغب في ذلك الخير ، ولم يختره .
فهو سبحانه لم يعتزل عنه أصلا ورأساً كي يثبت الجهل أو العجز أو السفه
- والعياذ بالله - فيه تعالى ، أو يثبت الفضل للعبد عليه جلّ وعلا ، بل هو الأصيل وله
الدخل التامّ في عمل الخير ، كما ورد مضمونه في كثير من الأدعية المأثورة .
وأمّا إذا صدر منه الشرّ ، فهو وإن كان مسبوقاً بتلك المعدّات القهرية من النفس
والأبالسة ، ولكن ليس له الحجّة فيه على ربّه تعالى بعد جعله الاختيار له ، بل لربّه
سبحانه عليه الحجّة البالغة ؛ لسوء اختياره ، وترجيحه الشرّ على الخير ، مع تساوي
قدرته واختياره بالإضافة إلى كلّ منهما .
وبذلك يتّضح أنّه ليس مجبوراً في فعله الاختياري ، ولا هو مفوّض إليه أمر
فعله بجميع معدّاته ومقدّماته ، بل أمره بين الأمرين كما في الحديث الشريف ( 1 ) .
ومن هنا ينقدح معنى إضلاله تعالى لعبده في قوله سبحانه : ( يضلُّ من يشاء ) ( 2 ) .
فإنّ معناه على ما ورد في السنّة - وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى - ترك إيجاد
المعدّات للعبد ، وتفويض أمره إلى حوله وقوّته . وكذا معنى خذلانه تعالى له . فإنّه
عند ردع العبد لتلك المعدّات الحسنة لا يستحقّ إلاّ الإعراض عنه ، الموجب
لضلاله واغتنام الأبالسة خزيه وخذلانه المستوجبة لعقوبته .
ثمّ إنّ ما لفّقه الأشاعرة لمذهب الجبر أُمور :
- أحدها -
ظواهر بعض الآيات الدالّة على انحصار الخالق فيه تعالى ، كقوله سبحانه :
( الله خالق كلّ شيء ) ( 3 ) ( هل من خالق غير الله ) ( 4 ) ( والله خلقكم وما
هامش
( 1 ) التوحيد : 360 ح 3 ، باب نفي الجبر والتفويض .
( 2 ) الرعد : 27 .
( 3 ) الرعد : 16 .
( 4 ) فاطر : 3 .