شرح
أحدها : تصوّره .
ثمّ التأمّل في مقتضياته وموانعه .
ثمّ الرغبة فيه .
ثمّ الشوق إليه .
ثمّ إرادته بمعنى العزم عليه .
وأنّه بعد تحقّق كلّ ذلك ينتهي الأمر إلى اختيار الفاعل وترجيحه الفعل أو الترك .
ومن الواضح أنّ تلك المعدّات جلّها أو كلّها تنقدح في نفس الفاعل من غير
استنادها إلى علل منه ، فلا يكون تصوّره معلولا لتصوّر سابق منه ، ولا رغبته
معلولة لرغبة منه سابقة عليها ، وكذا شوقه وإرادته ؛ وإلاّ لزم التسلسل ، فهي
بأجمعها منقدحات قهرية فيه مستندة إلى غيره ، ولذلك لا يثاب ولا يعاقب عليها
مع عدم العمل على طبقها قولا واحداً وذلك لخروجها عن قدرته .
وإنّما هي معلولات لإلهام الربّ تعالى ، وحسن توفيقه لعبده على عمل الخير
وفعل الحسن ، أو لتسويل الأبالسة ، وهوى النفس الخدّاعة في عمل الشرّ وفعل القبيح .
ومن الواضح أيضاً أنّها ليست عللا تامّة للعمل ، ولا موجبة لسلب الاختيار
عن الفاعل بحيث يتحقّق العمل منه قهراً عليه ويثبت الجبر كما زعمه الأشعري ( 1 ) .
وأنّها ليست إلاّ مقتضيات لما يصدر منه مع تمكّنه من ردعها والعمل بخلاف
مقتضاها بحسن سريرته وتوفيقه لعمل الخير ، أو بخبث سريرته وسوء اختياره
لعمل الشرّ . وأيضاً ليس شيء منها منقدحاً في نفسه من غير علّة موجدة لها ؛ لمكان
إمكانها ، ولا مفوّضاً إليه أمر إيجادها بحيث يكون الربّ تعالى معتزلا عنها غير
دخيل في شيء منها ، كما زعمه المعتزلي ( 2 ) .
وعليه فإذا صدر الخير من العبد فهو وإن كان بحسن اختياره ، ولكن الفضل
هامش
( 1 ) انظر الإبانة : 20 ، شرح المواقف 8 : 146 .
( 2 ) انظر شرح الأُصول الخمسة : 332 ، 336 ، 344 .