وحيث عاد النفع للعباد * لم يأت منه موجب الفساد
شرح
« وحيث عاد النفع » فيها « للعباد » على ما عرفت ، انقدح أنّه « لم يأتِ »
ولم يصدر « منه » سبحانه اللغو ولا الجبر الّذي هو « موجب الفساد » للعباد في
أخلاقهم ودينهم ودنياهم ؛ فإنّ الجبر إنّما يُلائم رجوع نفع الفعل إلى الآمر دون
المأمور . وأمّا عند عود النفع إلى المأمور ، فلا موقع للجبر ، وليس على الآمر حينئذ
إلاّ إراءة الطريق وإطلاق عنان المأمور فعلا وتركاً حتّى يستوجب المدح والثواب
أو الذمّ والعقاب .
وبالجملة فثبوت النفع فيها للعباد ينقض كلاّ من دعوى الجبر ودعوى اللغوية
في أوامره وأفعاله ؛ فإنّ كلاّ منهما يوجب الفساد .
أمّا الجبر : فلما أشرنا إليه - وسيأتيك شرحه وتوضيحه إن شاء الله تعالى - من
أنّ القول به يستلزم الاجتراء على المعاصي ، واختلاط الأنساب ، وفتح باب العذر
للمخلوقين في ارتكابهم قبائح السيّئات ، وتمامية الحجّة لهم على ربّهم في ترك
الطاعات ، وإتيانهم المحرّمات .
وأمّا اللغو أو العبث فتجويزه عليه تعالى يوجب عدم الوثوق بوعده ، وعدم
الخوف من وعيده . وفي ذلك ما لا يخفى من التهاون والاستخفاف بالواجبات
والجرأة أيضاً على المنهيّات ، واستلزام كلّ ذلك للفساد أيضاً من الواضحات .
ولذلك نهض بعض أتباع الرجل لرتق ما فتقه شيخه من تجويز اللغو عليه
تعالى ، وادّعى الفرق بين السبب المحرّك لإيجاد الفعل المسمّى بالحكمة
والمصلحة السابقة عليه ، المقتضية لوجوده ، وبين الغايات والفوائد المترتّبة عليه
صدفة من غير قصد ، وهي المتأخّرة عنه وجوداً .
ثمّ حمل كلام شيخه على إنكار الأسباب المقتضية ، دون الغايات المترتّبة .
وزعم اندفاع اتّصافه تعالى بفاعل اللغو والعبث والظلم بسبب ترتّب الفوائد على فعله .
وأنت خبير بفساد ذلك ، لوضوح أنّ ترتّب الأثر وإن بلغ الغاية في الحُسن مع