والحقّ أنّ فعله معلّل * بما به عبيده تستكمل
شرح
وإلاّ لزم كونه ناقصاً قبل صدور الفعل منه حتّى استكمل به .
ثمّ شدّ أزره بقول الفلاسفة والحكماء : إنّ واجب الوجود جواد مطلق ، وهو
المعطي لمن ينبغي لا لعوض ( 1 ) . فاستظهر من قولهم ذلك : أنّه تعالى يعطي من غير
مصلحة ، ويتمّ إنكار المصلحة في سائر أفعاله بعدم القول بالفصل .
ومعنى ذلك : أنّ فعل اللغو والعبث من غير ابتنائه على حكمة ومصلحة
وإن كان قبيحاً لدى العقلاء ، لكنّه إذا صدر منه تعالى كان حسناً ، ولا حكم للعقل
فيه أصلا .
ولا يذهب عليك أنّ ذلك في القبح والفساد كسابقه ، إن لم يكن أفسد منه ؛ فإنّ
اللغو والعبث لا يصدر إلاّ من السفيه الخسيس ، أو المجنون المطبق ، أو المغمى
عليه وأمثالهم من فاقدي الشعور والإدراك . وكيف يُنسب ذلك إلى المنزّه عن
جميع النقائص والمبرّأ من جميع الرذائل .
وهل هو إلاّ تكذيب لمحكم آياته المباركة ، ومنها قوله جلّ وعلا : ( وما خلقنا
السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ) ( 2 ) ( أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً ) ( 3 )
( أيحسب الإنسان أن يترك سدى ) ( 4 ) .
وهل يتجرّأ على ذلك مسلم ، أو هل يتفوّه به عاقل ؟ هيهات ثمّ هيهات ! !
ولذلك قد أطبق أهل الحقّ ، وفاقاً لسائر العقلاء ، وخلافاً للشيخ الفاقد للعقل
والشعور على أنّ جميع أفعاله تعالى مبتنية على حِكَم واقعية ، ومصالح حقيقية
« و » أنّ « الحقّ » بحكم العقل والنقل والإجماع هو « أنّ فعله » تعالى مطلقاً في
التشريعات والتكوينيات « معلّل بما » تنتفع « به عبيده » في دنياهم وعقباهم ،
و « تستكمل » به نفوسهم عن خسيس الصفات ورذيل العادات ، بحيث لولا تلك
هامش
( 1 ) حكاه في فيض القدير شرح الجامع الصغير 4 : 638 نقلا عن القونوي .
( 2 ) الأنبياء : 16 . .
( 3 ) المؤمنون : 115 .
( 4 ) القيامة : 36 .