شرح
وتروكهما موافقاً - والعياذ بالله - لإرادة إبليس وحبّه وكراهته ، ومخالفاً لإرادة
أنبيائه ورسله المبعوثين من عنده الداعين إلى طاعته والإيمان به .
وقد صرّح الشيخ الأشعري بذلك حيث قال : إنّ النبيّ كثيراً ما يريد أُموراً
لا يريدها الله ، بل يكرهها ( 1 ) . ولازم ذلك أن يكون أمره تعالى عليهما بالإيمان
والطاعة أمراً بما يكرهه ؛ وذلك لعدم امتثالهما له ، وعدم وقوع الأمرين منهما .
وكذا يكون نهيه عن الكفر والعصيان مع وقوعهما نهياً عمّا أراده وأحبّه .
وقد صرّح الأشعري بذلك أيضاً ، حيث قال : إنّا لا نرضى بكلّ ما قضاه الربّ
وقدّره ، ولا نريد كلّ ما أحبّه وأراده ، فإنّا لا نرضى بكفر الكافر وعصيان العاصي ،
مع علمنا القطعي برضائه تعالى وإرادته لذلك بدليل وقوعه الخارجي .
وقد حكى عنه تلك الخرافات بعض القدماء من أتباعه وأهل نحلته ، كابن
هشام في كتاب المسائرة ، وابن قيم في تأليفه ( 2 ) .
وأنت خبير بأنّ كلّ ذلك هفوات ساقطة ، وأباطيل واهية ، ذهبوا إليها إثباتاً
لقدرته تعالى ، وسلطته التامّة ، وتأويلا لقوله تعالى : ( يفعل ما يشاء ) ( 3 ) و ( يحكم
ما يريد ) ( 4 ) ونظائره .
وزعماً منهم أنّ كلّ تلك المستقبحات العقلية إذا وقعت منه تعالى تكون جميلةً
حسنةً ، وليس للعقل اعتراض عليه أصلا ، حيث إنّه أحقر شأناً وأذلّ من أن يتجرّأ
على خالقه بالانتقاد أو الاعتراض ، وأنّ الربّ سبحانه ليس فوقه أحد ينكر عليه
شيئاً من أفعاله .
فلا جرم لا قبيح إلاّ ما كرهه ولم يرض به ، ولم يقدّر وقوعه . كما لا شيء
يحسن إلاّ ما أراده وأحبّه وقدّر وقوعه . ولا اعتبار للعقل ، ولا يُعبأ بحكمه في
شيء منها أصلا .
هامش
( 1 ) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 3 : 52 و 142 وما بعدها .
( 2 ) انظر إحياء العلوم 4 : 351 و 352 .
( 3 ) آل عمران : 40 .
( 4 ) المائدة : 1 .