تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
شرح
وتروكهما موافقاً - والعياذ بالله - لإرادة إبليس وحبّه وكراهته ، ومخالفاً لإرادة أنبيائه ورسله المبعوثين من عنده الداعين إلى طاعته والإيمان به . وقد صرّح الشيخ الأشعري بذلك حيث قال : إنّ النبيّ كثيراً ما يريد أُموراً لا يريدها الله ، بل يكرهها ( 1 ) . ولازم ذلك أن يكون أمره تعالى عليهما بالإيمان والطاعة أمراً بما يكرهه ؛ وذلك لعدم امتثالهما له ، وعدم وقوع الأمرين منهما . وكذا يكون نهيه عن الكفر والعصيان مع وقوعهما نهياً عمّا أراده وأحبّه . وقد صرّح الأشعري بذلك أيضاً ، حيث قال : إنّا لا نرضى بكلّ ما قضاه الربّ وقدّره ، ولا نريد كلّ ما أحبّه وأراده ، فإنّا لا نرضى بكفر الكافر وعصيان العاصي ، مع علمنا القطعي برضائه تعالى وإرادته لذلك بدليل وقوعه الخارجي . وقد حكى عنه تلك الخرافات بعض القدماء من أتباعه وأهل نحلته ، كابن هشام في كتاب المسائرة ، وابن قيم في تأليفه ( 2 ) . وأنت خبير بأنّ كلّ ذلك هفوات ساقطة ، وأباطيل واهية ، ذهبوا إليها إثباتاً لقدرته تعالى ، وسلطته التامّة ، وتأويلا لقوله تعالى : ( يفعل ما يشاء ) ( 3 ) و ( يحكم ما يريد ) ( 4 ) ونظائره . وزعماً منهم أنّ كلّ تلك المستقبحات العقلية إذا وقعت منه تعالى تكون جميلةً حسنةً ، وليس للعقل اعتراض عليه أصلا ، حيث إنّه أحقر شأناً وأذلّ من أن يتجرّأ على خالقه بالانتقاد أو الاعتراض ، وأنّ الربّ سبحانه ليس فوقه أحد ينكر عليه شيئاً من أفعاله . فلا جرم لا قبيح إلاّ ما كرهه ولم يرض به ، ولم يقدّر وقوعه . كما لا شيء يحسن إلاّ ما أراده وأحبّه وقدّر وقوعه . ولا اعتبار للعقل ، ولا يُعبأ بحكمه في شيء منها أصلا .
هامش
( 1 ) الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم 3 : 52 و 142 وما بعدها . ( 2 ) انظر إحياء العلوم 4 : 351 و 352 . ( 3 ) آل عمران : 40 . ( 4 ) المائدة : 1 .