شرح
ولا يذهب عليك أنّ ما أجاب به الناصب ابن روزبهان عن ذلك - تبعاً
لأسلافه - من أنّ عادته تعالى لم تجر على إظهار المعجزة على يد الكذّاب ( 1 )
لا يسمن ولا يغني من شيء ، ولا يندفع به المحذور ، ولا ينسدّ به باب العذر على
الأُمّة في إعراضهم عن النبيّ الصادق بعد دعوى إمكان كذبه كما هو واضح ، هذا .
مع أنّ دعوى جريان عادته تعالى بذلك دعوى فارغة ؛ فإنّ ذلك أمر لا يعلم
إلاّ من طريق الوحي إلى النبيّ ، وذلك فرع ثبوت نبوّته وتنزيهه عن الكذب في
دعوى النبوّة وأنّ ما ظهر على يده من المعاجز لم يكن على خلاف العادة ، وذلك
دور واضح .
وأيضاً إنّ جريان العادة بعد تسليمه ، وبعد الغضّ عمّا عرفت فيه إنّما يفيد سدّ
باب العذر على العباد بناءً على ثبوت الاختيار لهم في أفعالهم على ما ذهب إليه العدلية .
وأمّا على مذهب الجبر فباب العذر لهم في ارتكابهم المعاصي كلّها مفتوح لهم
بمصراعيه ، وتثبت لهم الحجّة على ربّهم بذلك في إتيانهم الفواحش والمنكرات
بأنواعها ؛ بدعوى اضطرارهم إليها ، وإجباره تعالى لهم على ارتكابها ، كما هو واضح .
وعندئذ لا يكون عقابهم عليها إلاّ ظلماً فاحشاً يتحاشا عنه أظلم ظالم .
وكيف ينسب مثله إلى العدل الحكيم ؟ !
وأين إذن قوله سبحانه : ( وما ربّك بظلاّم للعبيد ) ( 2 ) ( إنّ الله لا يظلم مثقال
ذرّة ) ( 3 ) ( ولا يظلم ربّك أحداً ) ( 4 ) ( وما الله يريد ظلماً للعباد ) ( 5 ) إلى غير ذلك
من الآيات المحكمة ، والنصوص المتواترة كتاباً وسنّةً .
مضافاً إلى إجماع العقلاء على نفي ذلك عنه تعالى ، وسيأتيك شرح ذلك
مفصّلا إن شاء الله تعالى .
ثمّ إنّ من أقبح ما ذهبوا إليه تجويز فعل العبث عليه تعالى .
وقال شيخهم الأشعري : ولا يجوز تعليل أفعاله بشيء من الغرض والمصلحة ،
هامش
( 1 ) حكاه عنه السيّد الخوئي في البيان في تفسير القرآن : 37 .
( 2 ) فصّلت : 46 .
( 3 ) النساء : 40 . .
( 4 ) الكهف : 49 .
( 5 ) غافر : 31 .