تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
فللقبيح لم يكن مرتكبا * ولا مخلٍّ بالّذي قد وجبا والوجه في امتناعه بعد الغنا * وعلمه بالقبح كان بيّنا
شرح
المستحسن عقلا حال كون الواضع منتبهاً لعمله ، متعمّداً في وضعه « غير مخلّ بجهات فعله » ولا مفوّت شيئاً من مصالحه بالنقص والزيادة والتغيير والتبديل ، فلو كان ساهياً أو غافلا في وضعه لم يوصف بالعدل ، فضلا عمّا لو أخلّ بجهات المصلحة عمداً أو سفهاً ، بل ولو جهلا . فإنّ معناه في أصل اللغة ولدى العرف هو الاستقامة وعدم الانحراف . وبذلك صحّ عندهم توصيف بعض الجمادات أو بعض أفراد الناس به في قولهم مثلا : عصاء عدل ، أو طريق عدل ، أو رجل عدل . ومرجع الكلّ إلى معنى واحد ، وهو عدم الاعوجاج إلى اليمين أو اليسار ، أو عدم الانحراف عن الحقّ إلى الباطل . وهكذا إذا وصف به الربّ تعالى ، فإنّ المقصود منه عدم انحرافه سبحانه عمّا يستحسنه العقل في شيء من صنائعه التكوينية وشرائعه التكليفية ، وسائر أقواله وأفعاله ووعده ووعيده وأنّه تعالى لا ظلم في حكمه ، ولا جور في قضائه ، ولا يكلّف أحداً فوق طاقته ، ولا يفعل شيئاً يستنكره العقل من قبائح الأعمال والصنائع ، وأنّه جلّ وعلا منزّه عن جميعها . « فللقبيح لم يكن مرتكبا » عقلا ونقلا وإجماعاً من أهل الحقّ وسائر العقلاء . « ولا » هو سبحانه « مخلّ بالّذي قد وجبا » وبما قد حسن لدى الكلّ من الوفاء بوعد الأجر والمثوبة على الطاعة ، والرفق بالعباد ، وعون الضعيف ، وإدراك اللهيف ، وإقالة العثرات ، والعفو عن الخطيئات بعد التوبة والندامة وأمثال ذلك من المحسّنات ، فإنّ الإخلال بشيء منها أو ارتكاب شيء من القبائح العقلية قبيح بالضرورة ، وممتنعاً فيه تعالى قطعاً . « والوجه في امتناعه » على ما تقدّمت الإشارة إليه « بعد » التسالم على « الغنا » الذاتي له « و » اتّفاق الكلّ على « علمه بالقبح » الثابت في تلك القبائح « كان بيّنا » واضحاً حيث إنّ ارتكابها لا يكون إلاّ عن الجهل أو الحاجة أو السفه ،