فللقبيح لم يكن مرتكبا * ولا مخلٍّ بالّذي قد وجبا
والوجه في امتناعه بعد الغنا * وعلمه بالقبح كان بيّنا
شرح
المستحسن عقلا حال كون الواضع منتبهاً لعمله ، متعمّداً في وضعه « غير مخلّ
بجهات فعله » ولا مفوّت شيئاً من مصالحه بالنقص والزيادة والتغيير والتبديل ، فلو
كان ساهياً أو غافلا في وضعه لم يوصف بالعدل ، فضلا عمّا لو أخلّ بجهات
المصلحة عمداً أو سفهاً ، بل ولو جهلا . فإنّ معناه في أصل اللغة ولدى العرف هو
الاستقامة وعدم الانحراف . وبذلك صحّ عندهم توصيف بعض الجمادات أو بعض
أفراد الناس به في قولهم مثلا : عصاء عدل ، أو طريق عدل ، أو رجل عدل . ومرجع
الكلّ إلى معنى واحد ، وهو عدم الاعوجاج إلى اليمين أو اليسار ، أو عدم
الانحراف عن الحقّ إلى الباطل .
وهكذا إذا وصف به الربّ تعالى ، فإنّ المقصود منه عدم انحرافه سبحانه عمّا
يستحسنه العقل في شيء من صنائعه التكوينية وشرائعه التكليفية ، وسائر أقواله
وأفعاله ووعده ووعيده وأنّه تعالى لا ظلم في حكمه ، ولا جور في قضائه ، ولا
يكلّف أحداً فوق طاقته ، ولا يفعل شيئاً يستنكره العقل من قبائح الأعمال
والصنائع ، وأنّه جلّ وعلا منزّه عن جميعها .
« فللقبيح لم يكن مرتكبا » عقلا ونقلا وإجماعاً من أهل الحقّ وسائر العقلاء .
« ولا » هو سبحانه « مخلّ بالّذي قد وجبا » وبما قد حسن لدى الكلّ من الوفاء
بوعد الأجر والمثوبة على الطاعة ، والرفق بالعباد ، وعون الضعيف ، وإدراك
اللهيف ، وإقالة العثرات ، والعفو عن الخطيئات بعد التوبة والندامة وأمثال ذلك من
المحسّنات ، فإنّ الإخلال بشيء منها أو ارتكاب شيء من القبائح العقلية قبيح
بالضرورة ، وممتنعاً فيه تعالى قطعاً .
« والوجه في امتناعه » على ما تقدّمت الإشارة إليه « بعد » التسالم على
« الغنا » الذاتي له « و » اتّفاق الكلّ على « علمه بالقبح » الثابت في تلك القبائح
« كان بيّنا » واضحاً حيث إنّ ارتكابها لا يكون إلاّ عن الجهل أو الحاجة أو السفه ،