شرح
وقد تعالى ربّنا عن كلّ ذلك ، وإلاّ لزم الخلف .
ومن هنا يعلم أنّ الضابط في الواجبات عليه تعالى والممتنعات فيه هو حكم
العقل بالحسن والقبح ، وأنّه هو قاضي التحكيم بجعل من خالقه تعالى ، فإنّه سبحانه
بعد خلقه إيّاه جعله حكماً عدلا بينه وبين عباده ، وأمرهم بالرجوع إليه واتّباع
حكمه ، بل وعاتبهم على الإعراض عنه في آيات عديدة بنحو قوله عزّ من قائل :
( أفلا يعقلون ) ( أو لم يتفكّروا ) ( أفلم يدبّروا القول ) ( أفلا يتدبّرون القرآن أم
على قلوب أقفالها ) ( 1 ) إلى غير ذلك من نظائرها .
وذلك قوله تعالى : ( لا يسئل عمّا يفعل ) ( 2 ) على ما روي في تفسيره من أنّه
سبحانه لا يعمل عملا يصير به مسؤولا للعقل وأهله ، أو مورداً لاعتراضهم عليه
بقولهم ( لِمَ وبِمَ ) وأمثالهما ( 3 ) .
وقد انقدح بما ذكرنا أنّ إسقاطه تعالى العقاب عن بعض العصاة ، وعفوه عنهم
بتوبة منهم ماحية لما سلف منهم ، أو بصدور حسنة منهم مكفّرة لقبائحهم ، أو
بصبرهم على ما يُصابون به من البلايا والمصائب ، أو بغير ذلك لا ينافي صدقه
تعالى في وعيده ، بعد وضوح عدم استنكار العقل لذلك ، بل لا شبهة في تحسينه
العفو عندئذ ، وحكمه بأنّه من محامد الصفات الجميلة .
ويشهد لذلك ما اشتهر بين العقلاء من قولهم : " إنّما العفو عند المقدرة والصفح
بعد التوبة " .
وقد خالف الأشعري في كلّ ذلك ، وجوّز عليه تعالى الظلم القبيح ، وخُلف
الوعد بالمثوبة للمطيع .
ومعنى ذلك جواز عقابه على الطاعة ، وجواز إثابة العاصي على المعصية ،
حتّى الكفّار من غير توبة ولا عمل صالح . وجواز تعذيب الأنبياء المعصومين
هامش
( 1 ) يس 36 : 68 ، الروم 30 : 8 ، المؤمنون 23 : 68 ، محمّد 47 : 24 .
( 2 ) الأنبياء : 23 .
( 3 ) انظر مجمع البيان 1 : 375 ، وج 7 : 80 ، وتفسير الصافي 3 : 334 .