تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
شرح
وقد تعالى ربّنا عن كلّ ذلك ، وإلاّ لزم الخلف . ومن هنا يعلم أنّ الضابط في الواجبات عليه تعالى والممتنعات فيه هو حكم العقل بالحسن والقبح ، وأنّه هو قاضي التحكيم بجعل من خالقه تعالى ، فإنّه سبحانه بعد خلقه إيّاه جعله حكماً عدلا بينه وبين عباده ، وأمرهم بالرجوع إليه واتّباع حكمه ، بل وعاتبهم على الإعراض عنه في آيات عديدة بنحو قوله عزّ من قائل : ( أفلا يعقلون ) ( أو لم يتفكّروا ) ( أفلم يدبّروا القول ) ( أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) ( 1 ) إلى غير ذلك من نظائرها . وذلك قوله تعالى : ( لا يسئل عمّا يفعل ) ( 2 ) على ما روي في تفسيره من أنّه سبحانه لا يعمل عملا يصير به مسؤولا للعقل وأهله ، أو مورداً لاعتراضهم عليه بقولهم ( لِمَ وبِمَ ) وأمثالهما ( 3 ) . وقد انقدح بما ذكرنا أنّ إسقاطه تعالى العقاب عن بعض العصاة ، وعفوه عنهم بتوبة منهم ماحية لما سلف منهم ، أو بصدور حسنة منهم مكفّرة لقبائحهم ، أو بصبرهم على ما يُصابون به من البلايا والمصائب ، أو بغير ذلك لا ينافي صدقه تعالى في وعيده ، بعد وضوح عدم استنكار العقل لذلك ، بل لا شبهة في تحسينه العفو عندئذ ، وحكمه بأنّه من محامد الصفات الجميلة . ويشهد لذلك ما اشتهر بين العقلاء من قولهم : " إنّما العفو عند المقدرة والصفح بعد التوبة " . وقد خالف الأشعري في كلّ ذلك ، وجوّز عليه تعالى الظلم القبيح ، وخُلف الوعد بالمثوبة للمطيع . ومعنى ذلك جواز عقابه على الطاعة ، وجواز إثابة العاصي على المعصية ، حتّى الكفّار من غير توبة ولا عمل صالح . وجواز تعذيب الأنبياء المعصومين
هامش
( 1 ) يس 36 : 68 ، الروم 30 : 8 ، المؤمنون 23 : 68 ، محمّد 47 : 24 . ( 2 ) الأنبياء : 23 . ( 3 ) انظر مجمع البيان 1 : 375 ، وج 7 : 80 ، وتفسير الصافي 3 : 334 .