والجبر عندنا بحكم الفطرة * وهم فلا يجبر إلاّ كسره
شرح
إنّما نشأ « من القصور في التصوّرات » من بعضهم دون بعض ، فإنّ الناس كما في
الحديث : " معادن كمعادن الذهب والفضّة " ( 1 ) فمنهم ذكي في الغاية يُدرك الحسن
أو القبح الواقعي في الشيء بسرعة ، ويحكم على طبقه من غير تأمّل فيه ولا تردّد .
ومنهم دون ذلك بحيث لا يدرك الجهة الخفية في الشيء إلاّ بعد تروٍّ وتأمّل أو بعد
تنبيه الغير له .
ومنهم : الغبي البليد الّذي لا يُدرك ذلك أصلا ، فينكر ذلك ويعاكس الأوّلين .
وعليه فليس اختلافهم فيهما كاشفاً عن كونهما اعتباريّين .
ونظير ذلك اختلافهم مثلا في إمكان الشيء الكذائي وامتناعه مع اتّفاق
المتخاصمين على كون الإمكان والامتناع أمرين واقعيين ولا مدخل فيهما
للاعتبار واختلاف الآراء أصلا .
ثانيتها : ما لفّقوه تفريعاً على جبرهم الفاسد ، فقالوا : إنّ الجبر الواقع منه تعالى
للعباد في طاعاتهم ومعاصيهم ثمّ إثابتهم أو تعذيبهم عليها لهو ممّا يستقبحه العقل
بالضرورة . ولكن حيث إنّه فعله الربّ سبحانه واعتبره حَسناً فلابدّ من الحكم
بحسنه بعد التسالم على أنّه لا يصدر منه قبيح أصلا . وبذلك يستكشف كون
الحسن والقبح أمرين اعتباريين يختلفان باختلاف الأنظار ، وليسا واقعيين ، ولا
مدخل لحكم العقل فيهما أصلا .
« و » الجواب : أنّ « الجبر عندنا » ممنوع من أصله أشدّ المنع ، وستعرف إن
شاء الله تعالى في باب العدل فساده « بحكم الفطرة » والوجدان ، فضلا عن قيام
أدلّة العقل والنقل وإجماع العقلاء على بطلانه وأنّه « وهم » محض ، وضلال صرف .
« فلا يجبر » الربّ تعالى ولا يكره أحداً من عباده على شيء من أفعالهم أبداً .
نعم « إلاّ » أنّه سبحانه يجبر - أي يصلح - « كسره » كما في الدعاء المأثور " يا
هامش
( 1 ) حكاه الفيض الكاشاني في علم اليقين في أُصول الدين 1 : 282 .