فالعقل قد يُدرك مع قطع النظر * عن شرعه جهاته بلا نظر
والأشعري مثبت قصوره * بنفي ما قضت به الضرورة
وحُسن الإحسان وقبح الظلم * نفيهما يفتح باب الذمّ
كيف وفي جبلّة الإنسان * ما ميّز الظلم عن الإحسان
شرح
حقائقها من غير جعل جاعل أصلا ، نظير الرطوبة المنجعلة في ذات الماء ،
والحرارة المنجعلة في ذات النار مثلا ( 1 ) .
« فالعقل » كما ذكرنا « قد يدرك » أحياناً في بعض الموضوعات شيئاً منها
مستقلاّ « مع قطع النظر عن » حكمه الشرعي ، أي ما « شرّعه » الشارع من الحكم
في ذلك الموضوع ، فيعرفه إمّا بسرعة من غير تأمّل ، وإمّا بعد تأمّل « جهاته »
حسناً وقبحاً « بلا نظر » أي بلا انتظار ولا تعبّد لحكم الشرع . وفي مثله لم يكن
يظنّ فيه خلاف من عاقل أصلا ؛ لاشتراك عقلاء جميع الملل فيه .
« و » لكن « الأشعري مثبت قصوره » عن إدراك المستقلاّت العقلية ، وأعلن
خروجه عن دائرة العقلاء « بنفي » الحسن والقبح الواقعيين ، وبإنكاره « ما قضت
به الضرورة » والفطرة البشرية ( 2 ) .
كيف لا « و » قد عرفت أنّ « حسن الإحسان وقبح الظلم » أوضح واضح لدى
العموم ، ولا ينكر شيئاً منهما ومن أمثالهما ذو مسكة من سائر الملل ، حتّى البراهمة
والمجوس وأعراب البوادي الّذين هم أنعام البشر ، بل هم أضلّ ، فإنّ إنكارهما
و « نفيهما يفتح باب الذمّ » من الجميع على المنكر . وكلّ ذلك واضح ضروري ،
وكفى به دليلا وبرهاناً ساطعاً على فساد المذهب المذكور .
« كيف » لا « وفي جبلّة الإنسان » وطينته المختمرة فيه قد جعل من الشعور
والإدراك « ما ميّز » به قبح « الظلم عن » حسن « الإحسان » على سبيل تمييزه
هامش
( 1 ) انظر شرح المواقف 8 : 202 .
( 2 ) انظر شرح المواقف 8 : 202 .