تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
والعقل إن تزاحم القبح استقلّ * بفعل ما يكون قبحه أقلّ
شرح
العقل . وذلك لا يلائم إلاّ مع القول بكون الحسن والقبح أمرين اعتباريين ، وإلاّ لزم القول بصدور القبيح منه تعالى ، ونعوذ بالله من التفوّه بذلك . « و » الجواب : أنّ « العقل إن » رأى « تزاحم القبح » الموجود في الضدّين ، ولم يجد مندوحة عنهما ، وازن بين القبحين قلّة وكثرة ، وعند ذلك « استقلّ » في حكمه « بفعل ما يكون قبحه أقلّ » من قبح صاحبه . وإنّما يكون ذلك منه إرشاداً إلى لزوم اختيار المكلّف ذلك ليتخلّص به ممّا هو أعظم منه . وحينئذ يوافقه الشرع بمثل حكمه إرشاداً أيضاً ، وذلك لا يثبت حسناً في المأمور به ، ولا ينافي عدم رضاه بما أشار عليه للتخلّص عمّا هو أقبح وأشنع ، وإنّما المنافي لعدم رضاه والمبيّن لثبوت الحسن الواقعي في المأمور به ليس إلاّ الأوامر المولوية الصادرة منه بداعي الطلب الجدّي ، لا بداعي الترخيص بالأوامر الإرشادية منه تعالى بارتكاب أقلّ القبيحين إذا كان اضطرار العبد إلى ارتكاب أحدهما بسوء اختياره . وبذلك اشتهر بين الفقهاء وسائر العلماء أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ( 1 ) . ويشهد لذلك ولعدم رضا الشارع بشيء من القبيحين استحقاق المكلّف للعقاب بارتكاب كلّ منهما قولا واحداً ، كما إذا رمى نفسه من شاهق بسوء اختياره ، وهلك بالسقوط فإنّه لا شبهة ولا خلاف في استحقاقه العقوبة على السقوط والهلاك ، مع خروجهما عن قدرته بعد الرمي ، وليس ذلك من العقاب على الأمر الاضطراري الّذي يستقبحه العقل بعدما عرفت من كون اضطراره بسوء اختياره بالرمي ، وذلك غير مناف لاختياره . ويشهد أيضاً لعدم الرضا منه تعالى بكلا القبيحين في المثال أنّه لو فرض وجود مندوحة للتخلّص منهما جميعاً بالطيران إلى الجو مثلا على تقدير عدم كونه
هامش
( 1 ) انظر جواهر الكلام 8 : 294 ، وج 9 : 209 ، ومصباح الفقيه 2 : 175 ، وتقريرات النائيني كتاب الصلاة 2 : 80 .