تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
شرح
تصرّفاً في المغصوب ، وجب قولا واحداً ، وسقط الترخيص المذكور قطعاً . وكم فرق بين ذلك وبين ما تقدّم من مثال الكذب النافع ، فإنّه كما عرفت بسبب عروض النفع له قد خرج عن موضوع القبيح ، وصار مرضيّاً ومأموراً به بالأمر المولوي . ولذلك يُثاب عليه ويُعاقب على تركه . وذلك بخلاف المقام الباقي فيه القبح . ولذلك لا نقول فيه برضاء الشارع بما حكم العقل به إرشاداً ، بل ولا أمره به إلاّ كما عرفت . وبذلك اتّضح لك ما وقع من الخلط الفاحش من الخصم بين المقامين . كما اتّضح لك بكلّ ما ذكر أنّ دعوى حدوث الحسن والقبح في حقيقة الفعل وذاته بحدوث الأمر الشرعي به واضحة الفساد في الغاية ؛ فإنّ ذلك مساوق للقول بكون الأمر والنهي من الشارع الحكيم عبثاً غير مسبوق بالحسن الذاتي في الفعل ، ولا ملحوظاً فيه مصلحة واقعية مكنونة فيه وذلك مخالفاً للعقل ومتواتر النقل نحو قوله تعالى : ( أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً ) ( 1 ) . ولوضوح فساد ذلك رام بعض أذناب الأشعري القائل بذلك ترميم فاسد شيخه وإمامه ، ونهض للاعتذار عن هفوته ، وأبدع نهيقاً لم يسبقه أحد ، ولم يرضَ به عاقل ، فقسّم الحسن والقبح على أقسام ثلاثة ، فأذعن بالرغم منه بكون اثنين منها أمرين واقعيين ثابتين في ذوات الأشياء . أحدهما : الكمال والنقص ، كحسن العلم وقُبح الجهل مثلا . وثانيهما : ملائمة الغرض ومنافرته وفسّرهما بالمصلحة والمفسدة الحقيقيتين . ثمّ حمل مذهب شيخه في إنكار الحسن والقبح الواقعي على معنى ثالث لهما ، زعمه مغايراً لذينك المعنيين ، وهو ترتّب المدح والذمّ الدنيوي والثواب والعقاب الأُخروي على الفعل ، وقال : هذا هو مراد الشيخ الأشعري في إنكاره إدراك العقل لهما ، فلا مدح ولا ذمّ ولا ثواب ولا عقاب إلاّ بعد حدوث الأمر أو النهي من الشرع . وأنت خبير بفساد ما لفّقه ، وبشاعة ما نسجه ؛ وذلك لوضوح أنّ المدح
هامش
( 1 ) المؤمنون : 115 .