شرح
تصرّفاً في المغصوب ، وجب قولا واحداً ، وسقط الترخيص المذكور قطعاً . وكم
فرق بين ذلك وبين ما تقدّم من مثال الكذب النافع ، فإنّه كما عرفت بسبب عروض
النفع له قد خرج عن موضوع القبيح ، وصار مرضيّاً ومأموراً به بالأمر المولوي .
ولذلك يُثاب عليه ويُعاقب على تركه . وذلك بخلاف المقام الباقي فيه القبح . ولذلك
لا نقول فيه برضاء الشارع بما حكم العقل به إرشاداً ، بل ولا أمره به إلاّ كما عرفت .
وبذلك اتّضح لك ما وقع من الخلط الفاحش من الخصم بين المقامين .
كما اتّضح لك بكلّ ما ذكر أنّ دعوى حدوث الحسن والقبح في حقيقة الفعل
وذاته بحدوث الأمر الشرعي به واضحة الفساد في الغاية ؛ فإنّ ذلك مساوق للقول
بكون الأمر والنهي من الشارع الحكيم عبثاً غير مسبوق بالحسن الذاتي في الفعل ،
ولا ملحوظاً فيه مصلحة واقعية مكنونة فيه وذلك مخالفاً للعقل ومتواتر النقل نحو
قوله تعالى : ( أفحسبتم أنّما خلقناكم عبثاً ) ( 1 ) .
ولوضوح فساد ذلك رام بعض أذناب الأشعري القائل بذلك ترميم فاسد
شيخه وإمامه ، ونهض للاعتذار عن هفوته ، وأبدع نهيقاً لم يسبقه أحد ، ولم يرضَ به
عاقل ، فقسّم الحسن والقبح على أقسام ثلاثة ، فأذعن بالرغم منه بكون اثنين منها
أمرين واقعيين ثابتين في ذوات الأشياء .
أحدهما : الكمال والنقص ، كحسن العلم وقُبح الجهل مثلا .
وثانيهما : ملائمة الغرض ومنافرته وفسّرهما بالمصلحة والمفسدة الحقيقيتين .
ثمّ حمل مذهب شيخه في إنكار الحسن والقبح الواقعي على معنى ثالث لهما ، زعمه
مغايراً لذينك المعنيين ، وهو ترتّب المدح والذمّ الدنيوي والثواب والعقاب الأُخروي
على الفعل ، وقال : هذا هو مراد الشيخ الأشعري في إنكاره إدراك العقل لهما ، فلا
مدح ولا ذمّ ولا ثواب ولا عقاب إلاّ بعد حدوث الأمر أو النهي من الشرع .
وأنت خبير بفساد ما لفّقه ، وبشاعة ما نسجه ؛ وذلك لوضوح أنّ المدح
هامش
( 1 ) المؤمنون : 115 .