شرح
الفصل الثالث
في أنّ الأحكام الشرعية بأسرها تابعة للمصالح الواقعية
وأنّه لم يصدر من الشرع المقدّس شيء منها لغواً ولا عبثاً ، بل تبعاً لما في
ذوات الأشياء وما في نفس أفعال العباد من الحسن أو القبح الواقعي المكنون فيها
الّذي لا يحيط بجهاتهما ، ولا يدرك المخزون منهما في حقيقة كلّ من تلك الأشياء
إلاّ علاّم الغيوب جلّ وعلا .
نعم قد يدرك العقل شيئاً منهما في بعضها ، ويحكم على طبق ما أدركه استقلالا
من غير تروّ ولا تفكّر ؛ لكونه ضروريّاً ، نظير حسن الإحسان والعدل ، ووجوب
شكر المنعم مثلا ، أو قبح الظلم وكفران النعمة والكذب الضارّ .
وقد يدرك شيئاً منهما في بعضها بعد التأمّل والتروّي ؛ لكونه نظريّاً ، نظير
الكذب النافع ، والصدق الضارّ مثلا . ولكنّه بعد إدراكه ذلك يحكم أيضاً استقلالا
على طبق ما أدركه من غير انتظار منه لحكم الشرع فيه .
ويسمّى كلّ منهما بالمستقلاّت العقلية الّتي لم يختلف فيها اثنان من ذوي
الشعور والإدراك من جميع الملل ، فضلا عن الفرقة المحقّة الإمامية ( قدس سرهم ) .
وقد لا يدرك شيئاً منهما في بعض الأُمور أصلا ، فيتوقّف عن الحكم فيه إلى أن
يرد له حكم من الشرع الأقدس ، فيتبعه في ذلك ، ويحكم حينئذ على طبق حكم
الشرع فيه تثبيتاً لحكمه الاستقلالي بوجوب شكر المنعم ، وحسن الطاعة له ،