شرح
فلا ينفكّ حكمه في شيء منها عن حكم الشرع ، كما أنّ حكم الشرع أيضاً لا ينفكّ
عن حكمه في مستقلاّته .
وبذلك اشتهر بين الفرقة المحقّة " أنّ كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع ، وكلّ
ما حكم به الشرع حكم به العقل " ( 1 ) .
أي : وإن لم يدرك مصلحة حكم الشرع في بعضها ، كما في بعض العباديات
المأمور بها شرعاً .
وقد اتّفقت على كلّ ذلك كلمة أهل الحقّ ، وخالفت الأشاعرة في كلّ ذلك على
ما سنبيّنها مع ما لفّقوا لمذهبهم مقروناً بنقضه إن شاء الله تعالى .
وبالجملة فالّذي عليه الإمامية ( قدس سرهم ) وفاقاً لسائر العقلاء أنّ الحسن والقُبح
أمران متأصّلان واقعيّان مختمران في حقائق الأشياء .
وأنّ المصالح الواقعية فيها مثلها مثل ذاتيات العقاقير والخواص الموجودة
فيها ، وأنّه لا يتغيّر شيء منها بتغيّر الاعتبار واختلاف المعتبرين ، على عكس
الاعتباريات الّتي تختلف باختلاف الاعتبارات ، كالملكيّة والزوجيّة والرقّيّة
والحرّيّة وأمثالها الثابتة لذويها باعتبار من الشرع مثلا .
وحينئذ فتلك الواقعيات لا تدور مدار قصد الفاعل ، ولا كيفية صدور الفعل ،
وهي المسمّاة بالحسن والقبح الفعلي . ويقابله الحسن والقبح الفاعلي ، وهو الّذي
يدور مدار قصد الفاعل ، أو كيفية صدور الفعل منه ، بحيث لو صدر منه الفعل بقصد
الطاعة أو نيّة حسنة أُخرى استوجب المدح عقلا ، والمثوبة شرعاً ، وإن فرض كون
الفعل بنفسه قبيحاً . ولو صدر منه بنيّة سيّئة ، استوجب الذمّ والعقاب عقلا وشرعاً ،
وإن فرض كون الفعل بنفسه حسناً واقعياً . والنسبة بينهما عموم من وجه كما هو واضح .
والكلام في المقام وموضع الخلاف بين الفرقة المحقّة الإمامية ( قدس سرهم ) ومن تبعهم
من المعتزلة وبين الأشاعرة إنّما هو في القسم الأوّل .
هامش
( 1 ) انظر هداية المسترشدين : 210 .