تكاد أن ترنوا إلى جماله * بطرفك الخاسئ عن جلاله
فيا بنيّ قم وشمّر ساعدك * وبابتهال سله أن يساعدك
دونكها فهو مقام عال * تقصر عنه همم الرجال
فهو لباس قدّه التوفيق * لكن على قامة من يليق
بفصله عن نفسه ووصله * بعالم الغيب مثار فصله
شرح
وعظمته جلّ وعلا لحدّ « تكاد أن ترنو » أي : تشرف على إدامة النظر « إلى
جماله » كما قال تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة ) ( 1 ) .
وذلك كناية عن شدّة القُرب منه سبحانه ، وعلوّ المقام عنده على ما أشرنا إليه
فيما تقدّم .
وعندئذ تتوجّه نحو مقامه وعظمته « بطرفك الخاسئ » القاصر « عن » رؤية
« جلاله » مع الّذين أثنى عليهم ربّهم بقوله تعالى في سورة آل عمران : ( خاشعين
لله - إلى قوله سبحانه : - أُولئك لهم أجرهم عند ربّهم ) ( 2 ) .
« فيا بنيّ قم وشمّر ساعدك » واكشف عن ذراعك .
وذلك كناية عن التهيّؤ التامّ لتحصيل العلم والعمل « وبابتهال » وتضرّع إليه
سبحانه « سله أن يساعدك » على بذل الجهد في ذلك ، وحصول المأرب منه .
« دونكها » أي : خذ منّي الوصية بذلك « فهو مقام عال » رفيع الشأن « تقصر
عنه همم الرجال » من جهة مما طلتهم في ذلك ، أو عدم لياقتهم لحصول المأرب لهم منه .
« فهو » أي : بذل الجهد فيه وبلوغ النتيجة منه « لباس قدّه » أي : فصّله
« التوفيق » منه تعالى « لكن » خيّطه « على قامة من يليق » له .
ولا يذهب عليك ما في البيت من الاستعارة اللطيفة ، بتشبيه تلك الفضائل
الساترة لعيوب النفس باللباس الساتر لعيوب الجسد وأنّها لا تحصل للمرء إلاّ
« بفصله » وقطعه الشهوات « عن نفسه » الأمّارة بالسوء « ووصله » بمعنى اتّصاله
هامش
( 1 ) القيامة : 22 و 23 .
( 2 ) آل عمران : 199 .