وحلّها بحلية الكمال * من بعد حلّها من العقال
تحلية بها تصير أهلا * لسيرها إلى المحلّ الأعلى
وأُنسها بالقُرب والتشرّفِ * في عالم القدس مقام الشرف
فينجلي لها من الأسرار * ما ينجلي بها كمال الباري
شرح
« فالممات » كذلك « للحي » قبل موته إذا كان ذلك منه « باختياره » وحُسن
جهاده « حياة » حقيقية سرمدية ، وإن مات في الظاهر ، وخرج من الدنيا .
كما أنّ ترك ذلك بالانغمار في الشهوات النفسانية موت واقعي ، وإن كان
يعيش في الظاهر بين الأحياء . وإليه الإشارة بقوله تعالى : ( إنّك لا تسمع الموتى
ولا تسمع الصمّ الدعاء إذا ولّوا مدبرين ) ( 1 ) . فالناس موتى وأهل العلم أحياء .
فزيّن النفس بالعلم والعمل به « وحلّها بحلية الكمال » ومحامد الخصال « من
بعد حلّها » وفكّها « من العقال » المانع عن العروج إلى المقامات الرفيعة .
وفي البيت استعارات لطيفة من حيث تشبيه النفس بالجَمَل الشارد ، وتشبيه
شواغلها الدنيّة الدنيوية المانعة عن الرقيّ إلى مدارج القرب الأُخروية بالعقال
المانع عن السير والحركة .
وتشبه الخصال الحميدة بالحلية والزينة « تحلية بها تصير أهلا » لائقاً « لسيرها »
وارتقائها « إلى المحلّ الأعلى » مستأهلا للخطاب بقوله تعالى : ( يا أيّتها النفس
المطمئنّة ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي ) ( 2 ) .
وتلك غاية لذّة النفس « و » نهاية « أُنسها بالقرب » منه تعالى « والتشرّف »
بخصائص كرمه ونعمه « في عالم القدس » .
وذلك « مقام الشرف » الأعلى ، والغاية القصوى .
وحينئذ « فينجلي لها من الأسرار » الملكوتية « ما ينجلي بها كمال الباري »
هامش
( 1 ) النمل : 80 .
( 2 ) الفجر : 27 .