لا يعرف الرحمن بالبرهان * أكثر ممّا صيغ بالبيان
لكنّه ميسور أصل المعرفة * بذاته وما حوته من صفة
فإنّ كنه ذاته الأقدس لم * يعلم وفيه العقل أعمى وأصم
شرح
وأمّا معرفته تعالى بحقيقته
فلا يعقل ذلك ، و « لا » يمكن أن « يعرف الرحمن » بكنه ذاته ، فضلا عن
إمكان تعريفه « بالبرهان » العقلي .
فإنّه لا يمكن تصوّر حقيقته في النفس « أكثر ممّا صيغ بالبيان » المؤلّف من
الحروف الهجائية ، فكما أنّها بتراكيبها وأوضاعها محدودة ، فكذلك التصوّر والوهم
في النفس محدود متناه .
وكيف يمكن إحاطة المحدود المتناهي بما هو غير محدود ولا متناه .
و « لكنّه » قد أشرنا فيما تقدّم أنّ ما هو « ميسور » ومأمور به في الشرع
الأنور ليس إلاّ « أصل المعرفة » بثبوته ، والاعتقاد الجزمي « بذاته » المقدّسة ،
واليقين القطعي بأنّ جميع كمالاته « وما حوته » الذات العليا « من صفة » ذاتية
جمالية كانت أو جلالية كلّها عين ذاته .
وأنّ ذلك يكفي لتوجيه الخطاب نحوه تعالى في الأدعية والعبادات . وليس شيء
منها موقوفاً على معرفته سبحانه بكنهه وحقيقته ؛ فإنّ ذلك متعذّر لجميع من سواه .
« فإنّ كنه ذاته الأقدس لم » يحط به علم نبيّ مرسل ولا وهم ملك مُقرّب .
ولا يمكن أن « يعلم » ما هو ، وكيف هو ، ولا يعرف ذلك إلاّ هو ، كما في بعض
الأدعية المأثورة عن المعصومين ( عليهم السلام ) : " يا من لا يعلم ما هو إلاّ هو " ( 1 ) . كيف لا !
« وفيه العقل » على سعة أفكاره وحدّة بصره وسمعه « أعمى وأصم » عند التصوّر
فيه تعالى وإرادة معرفته . والوجه واضح : فإنّ معرفة الشيء لا تحصل إلاّ ببيان
هامش
( 1 ) عوالي اللآلئ 4 : 132 ح 226 عن مصباح الكفعمي .