والثنويّون من القصور * ضلّوا بربّ خالق الشرور
سمّوا إله الخير يزدان ومن * رأوه للشرور سمّوا أهرمن
شرح
تعالى تفويتها حذراً من صدور شرّ منها لغيرها أحياناً .
ثمّ بمثل ذلك يمكن أيضاً دفع ما احتجّ به الرجل وأذنابه لتلك الدعوى
الفاسدة من نزول البلايا على الناس ، وإصابتهم بالمصائب ، وموت الأنبياء ( عليهم السلام ) ،
فإنّه لا يحيط بما أخفى فيها من الحكم والمصالح ووجوه الحسن إلاّ علاّم الغيوب .
ومعه كيف يجوز لأدنى عاقل ، فضلا عمّن يدّعي الفضل وقيادة الأُمّة أن ينفيها
بأجمعها ، ويدّعي كون تلك الأُمور ممحّضة في الشرّ ، ولا سيّما بعد التسالم على
كون المنزل لها حكيماً غنياً عالماً رؤوفاً غير عابث ولا جاهل ولا حاجة له ولا
عداوة فيه لعباده . هذا .
مع إمكان اهتداء بعض العقول لكثير منها ، ولا أقلّ من احتمالها على ما أشرنا
إليه آنفاً من امتناع المصابين بها عن الطغيان والفساد والبخل وأمثالها المفسدة لهم
في دنياهم وعقباهم . وكذا ما يحتمل في فقد أُولئك الكرام ( عليهم السلام ) من المصالح
الخفية ، كارتياحهم من شرور أُممهم ، وبلوغهم لما أعدّ لهم من الأُجور العظيمة
والدرجات الرفيعة مع بعث نبيّ آخر بعده أصلح منه للأُمّة ، أو استخلاف خليفة له
بعد وفاته بين أظهرهم اختباراً لهم ، وتتميماً للحجّة عليهم ، وتمييزاً لخبيثهم عن
طيّبهم . كما في تمكين العاصي من المعصية وعدم الحيلولة بينها وبينه كي لا يلزم
الجبر ، ولا يبطل الثواب والعقاب على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
وكيف كان ، فلا تجوز نسبة صدور الشرّ إليه تعالى بعد حكم العقل القطعي
بامتناع ذلك كما عرفت « و » إن كان « الثنويّون من » جهة « القصور » في الإدراك
والشعور « ضلّوا » عن الصراط المستقيم ، وقالوا « بربّ » آخر غيره تعالى ، زعموه
« خالق الشرور » .