شرح
وهم على مذاهب شتّى :
فمنهم جمع « سمّوا إله الخير يزدان » زعموه خالق الخير « ومن » أبدعوه
و « رأوه » خالقاً « للشرور سمّوا أهرمن » .
ومنهم جماعة سمّوا خالق الخير النور ، وخالق الشرّ الظلمة .
ثمّ اختلفوا بينهم ، فقال بعضهم بِقدَم كليهما .
وقال الآخرون منهم بِقدَم النور فقط ، وأنّه خلق الظُلمة ، وأنّها ليست إلاّ ميّتاً
عاجزاً ، وجماداً جاهلا ، لا فعل لها ولا تميّز ، وأنّ الشرّ يصدر منها بطبعها .
وأمّا النور فعندهم حي عالم قادر حسّاس مُدرك موجد للحياة والحركة في
غيره إلى غير ذلك من خُرافات ادّعوها من غير حجّة ولا برهان ، سوى زعمهم أنّ
الخير والشرّ لا يمكن صدور كليهما من ذات واحدة بسيطة ؛ لما بينهما من التنافر
والتضادّ . فلا محيص بزعمهم عن الالتزام بخالقين ( 1 ) .
ولكنّك خبير بسقوط ذلك وفساده ؛ فإنّ ذلك - على تقدير تسليمه - إنّما يتمّ
في المؤثّر الموجب المضطرّ في أثره ، كالنار المضطرّة في أثر الحرارة ، والماء
المضطرّ في أثر الرطوبة على ما عرفت فيما تقدّم مراراً .
وأمّا الفاعل المختار ، فلا مانع أصلا من كونه مؤثّراً أثرين متضادّين مختلفين
في محلّين أو زمانين مختلفين كما هو واضح .
هذا ، مع أنّ التضادّ غير منحصر فيما ذكر ، بل هو حاصل بين أشياء كثيرة ،
كالطبائع المختلفة ، والألوان والأصناف المتعدّدة .
فيلزمهم القول بتعدّد الآلهة وتكثّرها على عدد الأشياء المتضادّة . ونعوذ بالله
من القول بذلك ، ومن سائر أنواع الكفر والضلالة .
وهذه نهاية الكلام في بيان وحدة الذات المقدّسة وتوحيد صفاته العليا .
هامش
( 1 ) انظر لمزيد تحقيق حول آراء الثنوية وفرقها توضيح الملل للشهرستاني 1 : 408 و 441 ،
ومجموعة مصنّفات شيخ الاشراق 2 : 11 و 302 ، وتاريخ جامع أديان جان بي تأس ترجمة
علي أصغر حكمت : 447 ، وشرح المنظومة للسبزواري 3 : 519 .