فالشرّ كائن ولكن بالتبع * تعلّق القصد به حيث وقع
شرح
قد « غلب » وزاد عليه .
« فخيره الكثير » حينئذ يكون مقتضياً « للخلق » وهو « سبب » تامّ موجب
للإيجاد بعد تزاحم الجهتين ، وسقوط المقدار المزاحم ، وبقاء القدر الراجح من
الخير سالماً عن المزاحم ، ومتمحّضاً في الحسن إجماعاً من العقلاء .
أما تراهم يتهافتون على احتمال مشاقّ التجارات والزراعات والصنائع
والعلوم بالأسفار في البراري والبحار ، والليل والنهار ، وتحمّل الجوع والذلّ
والغربة في البلاد النائية وسائر الأقطار ؛ رجاء اكتساب أرباح تزيد على تلك
المكاره الشديدة والبلايا العديدة .
وعليه « فالشرّ » بعد تسليمه في ذوي الناب أو الأذناب « كائن ولكن »
لا بالأصالة والقصد ، كي يقال : إنّ الشرّ صادر منه تعالى ، بل « بالتبع » أي بتبع
تكوين الذات ، فإنّ الشرور المفروض فيها ذاتيات لها ، والذاتي لا يعلّل ؛ لأنّه غير
مجعول ، بل هو منجعل في ذات الشيء وحقيقته ، ولا يعقل انسلاخه وإعدامه إلاّ
بإعدام نفس الذات ، وذلك خلف واضح كما في سائر الذاتيات ، نظير الحرارة
للنار ، والرطوبة للماء مثلا ، فإنّه ليس إيجاد الأثرين فيهما مستنداً إلى إيجاد زائد
على إيجادهما ، ولا يعقل تعريتهما عن الأثرين إلاّ بإعدامهما .
وعليه فالأثر الذاتي في كلّ منها وإن « تعلّق القصد به حيث وقع » ولكنّه لا
ينسب لدى العرف والعقلاء إلاّ إلى نفس العلّة المستلزمة له ، لا إلى موجد العلّة فلا
يقال لمن أوجد النار : إنّه أوجد الحرارة إلاّ بنحو من العناية . وكذا في مثال الماء
ونظائره . ولا يجوز للحكيم تفويت ما يترتّب على وجود النار من المصالح
المقصودة منها حذراً من الإحراق المحتمل وقوعه وإفساده أحياناً .
وحينئذ فلا ينسب الشرّ الذاتي الموجود في تلك الحشرات - بعد تسليمه -
إلى الخالق المتعال ، الموجد ذواتها لمصالح كثيرة قد خفيت علينا ، ولا يجوز له