تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
فالشرّ كائن ولكن بالتبع * تعلّق القصد به حيث وقع
شرح
قد « غلب » وزاد عليه . « فخيره الكثير » حينئذ يكون مقتضياً « للخلق » وهو « سبب » تامّ موجب للإيجاد بعد تزاحم الجهتين ، وسقوط المقدار المزاحم ، وبقاء القدر الراجح من الخير سالماً عن المزاحم ، ومتمحّضاً في الحسن إجماعاً من العقلاء . أما تراهم يتهافتون على احتمال مشاقّ التجارات والزراعات والصنائع والعلوم بالأسفار في البراري والبحار ، والليل والنهار ، وتحمّل الجوع والذلّ والغربة في البلاد النائية وسائر الأقطار ؛ رجاء اكتساب أرباح تزيد على تلك المكاره الشديدة والبلايا العديدة . وعليه « فالشرّ » بعد تسليمه في ذوي الناب أو الأذناب « كائن ولكن » لا بالأصالة والقصد ، كي يقال : إنّ الشرّ صادر منه تعالى ، بل « بالتبع » أي بتبع تكوين الذات ، فإنّ الشرور المفروض فيها ذاتيات لها ، والذاتي لا يعلّل ؛ لأنّه غير مجعول ، بل هو منجعل في ذات الشيء وحقيقته ، ولا يعقل انسلاخه وإعدامه إلاّ بإعدام نفس الذات ، وذلك خلف واضح كما في سائر الذاتيات ، نظير الحرارة للنار ، والرطوبة للماء مثلا ، فإنّه ليس إيجاد الأثرين فيهما مستنداً إلى إيجاد زائد على إيجادهما ، ولا يعقل تعريتهما عن الأثرين إلاّ بإعدامهما . وعليه فالأثر الذاتي في كلّ منها وإن « تعلّق القصد به حيث وقع » ولكنّه لا ينسب لدى العرف والعقلاء إلاّ إلى نفس العلّة المستلزمة له ، لا إلى موجد العلّة فلا يقال لمن أوجد النار : إنّه أوجد الحرارة إلاّ بنحو من العناية . وكذا في مثال الماء ونظائره . ولا يجوز للحكيم تفويت ما يترتّب على وجود النار من المصالح المقصودة منها حذراً من الإحراق المحتمل وقوعه وإفساده أحياناً . وحينئذ فلا ينسب الشرّ الذاتي الموجود في تلك الحشرات - بعد تسليمه - إلى الخالق المتعال ، الموجد ذواتها لمصالح كثيرة قد خفيت علينا ، ولا يجوز له