أو أنّ خيره على الشرّ غلب * فخيره الكثير للخلق سبب
شرح
العباد كان مقتضياً بل موجباً لعدم الشفقة على تلك المؤذيات الظلمة بإجابة
مسؤولها ، وإنعام الوجود عليها ، فإنّ ذلك مساوق لإعانتها على المظلومين ، كما
قيل في الشعر الفارسي :
ترحّم بر پلنگ تيز دندان * ستمكارى بود بر گوسفندان
وقبح ذلك لدى العقلاء من الواضحات .
فإنّه يقال : إنّ ذلك على تقدير تسليمه إنّما يتمّ فيما إذا كانت تلك المؤذيات
مضطرّةً مقهورةً فيما يصدر منها من الافتراس أو اللسع وأمثالهما ، مع عدم تمكين
المظلوم من الاحتراس منها بالأبنية الحارسة عنها ، والأسلحة القتّالة الدافعة لها ،
ومع تسليطها عليهم من دون إيجاد شيء فيها حاجز لها في الغالب عن إيذائها .
وأمّا فيما يُشاهد عياناً من عدم اضطرارها في أذاها على نحو اضطرار النار
في أثر الحرارة ، واضطرار الماء مثلاً في أثر الرطوبة ، مع ما سلّط الله عليها من
الخوف والوحشة من العباد ، والاختفاء والهرب منهم إلى أقاصي الأرض النائية
عن العمران والبلاد على ما فيها من القوّة والسيطرة ، وما لها من الحاجة أو اللذّة
في الافتراس أو العداوة للناس أو مع ما علّم الله العباد وألهمهم من كيفية التحرّز
عنها بالأمكنة أو بالآلات ، فلا نسلّم ذلك .
وقبح إجابة تلك الحيوانات في مسؤولها بلسان الحال ممنوع أشدّ المنع ،
ويكون المتحصّل من ذلك عدم حصول القبح في إيجادها المنتسب إليه تعالى ، ولا
صدور الشرّ منه سبحانه بخلقه لها .
« أو » يقال بعد الغضّ عن ذلك وتسليم الشرّ في وجود كلٍّ منها : إنّ الدعوى
المذكورة إنّما تتمّ في مفروض كلام المُدّعي وهو ما إذا علم كون شرّه أعظم من
خيره وغالباً عليه ، أو مكافئاً له ، وأمّا لو كان الأمر بالعكس ، بأن علم قطعاً أو لا
أقلّ من احتمال أن يكون فيه خيراً مكنوناً ، و « أنّ خيره على الشرّ » الموجود فيه