أو أنّه كما عليه الحكما * جلّهم لم يك إلاّ عدما
شرح
في الخارج ، فإنّ ذلك أعظم برهان على لياقتها لذلك لابدّ حينئذ من إيجادها
بالقياس الاستثنائي ، حيث إنّ عدم ذلك لا يكون إلاّ من جهة القصور في الفاعل ؛
لمكان العجز أو الجهل أو البخل أو العبث ، أو من جهة القصور في القابل ؛ لاستحالة
تأهّله للوجود ، وعدم إمكان وقوعه ، وكلاهما باطلان في المقام ، فوجب وجوداتها .
« أو أنّه » يقال بما هو الحقّ « كما عليه الحكماء » والمحقّقون « جلّهم » لولا
كلّهم أنّ الوجود بما هو هو ، أي باعتبار كونه شيئاً متأصّلا مع قطع النظر عمّا يترتّب
عليه خير من لا شيء ، فإنّه « لم يك إلاّ عدماً » بحتاً لا يتصوّر فيه الخير الّذي هو
أمر وجودي بعد التسالم على كونهما ضدّين لا ثالث لهما .
ثمّ التسالم أيضاً على استحالة كون فاقد الشيء واجداً له ؛ لكون ذلك خلفاً
واضحاً لا يعقل تصوّره . وعليه فليس الصادر منه تعالى إلاّ نفس وجودات تلك
السباع والحشرات دون ما يترتّب عليها أحياناً من الشرّ لغيرها ، ولم يكن منه
سبحانه إلاّ إفاضة الخير ، وهو الوجود على ماهيات قابلة لذلك سائلة منه تعالى
ذلك بلسان الحال ، مع عدم كونها شرّاً لأنفسها ، وعدم تنافر بين ماهياتها
ووجوداتها بشهادة تحقّق ماهية كلّ منها في ضمن وجوده ، وذلك أقوى برهان
على غاية الملائمة بينها وبينه في كلّ فرد منها . وقد عرفت أنّ منع إفاضة الخير
عليها والحال كذلك لا يكون إلاّ مسبّباً عن أحد أُمور أربعة ، تعالى ربّنا عن التدنّس
بها وهو العجز أو الجهل أو البخل أو العبث .
لا يقال : إنّ تلك الإفاضة عليها وإن كانت خيراً لأنفسها ، ولكنّها مزاحمة بتلك
الشرور والمفاسد المترتّبة عليها الّتي هي أعظم من مصلحة الإيجاد ؛ لكون دفع
الشرّ أهمّ وأوجب من استجلاب الخير . ولا أقلّ من كونهما متكافئين . وعليه فكان
الواجب على الحكيم منع تلك الإفاضة ؛ دفعاً لذلك المزاحم الأقوى أو المكافئ
من غير استلزام ذلك لأحد الأُمور الأربعة ، وأنّ اللطف الواجب عليه تعالى لسائر