وما ترى فيه من الشرور * من القصور فهو شرّ صوري
شرح
« وما ترى » وتزعم « فيه من الشرور » فليس ذلك إلاّ « من » جهة
« القصور » في العقل ، والغفلة عمّا يترتّب عليها من الأعواض الدنيوية ، أو الأُجور
الأُخروية ، أو الغفلة عن مصالحها وما فيها من وجوه الحسن ووقايتها عن المضارّ
الدنيوية والمهالك الأُخروية ، نظير الفقر مثلا الواقي عن الغرور ، والطغيان بالترف
والغناء المقتضي غالباً للبخل ومنع الحقوق ، أو نظير المرض المانع عن التردّي في
مهاوي القتل والفساد مثلا ، وأمثال ذلك .
« فهو » كلّه « شرّ صوري » لا واقعي . وبذلك يثبت المطلوب وهو براءة ساحة
قدسه تعالى عن صدور الشرّ منه ، هذا .
وأمّا ما ادّعاه من كون وجود السباع والحشرات المؤذية ممحّضة في الشرّ ،
فهو أيضاً دعوى فاسدة ؛ لكونها دعوى ممّن لا يحيط علماً بجميع وجوه المصالح
والمفاسد الواقعية ، وليس ذلك إلاّ زوراً وتخرّصاً بالباطل .
ويكفي في نقضها مجرّد احتمال وجود مصلحة خفية فيها ، وجواز احتوائها
لوجوه مكنونة من الحكم والمحسّنات الواقعية الّتي لا يحيط بها إلاّ خالق تلك
الحيوانات . ولعلّ منها جواز انتباه العبد عند مشاهدتها بكونه عاجزاً ضعيفاً
مضطرّاً في السلامة عن تلك الحشرات الدنية الخسيسة إلى التحصّن بالآلات
الجمادية ، والأبنية المستحكمة ، وبالتأمّل في ذلك تنكسر سورة أنانيته وشموخ
أنفه المستلزم غالباً للتجبّر والتكبّر المقتضيين للظلم والفساد .
وربما ينتبه بذلك لما هو من سنخها المعدّ لعذاب العصاة في عالم البرزخ ، أو في
نشأة القيامة ، فيحصل له بذلك خشوع القلب ، والاحتزاز عن كافّة المعاصي ، فينقاد
للشرع وأحكامه المقدّسة ، وينجو بذلك من أهوال الدنيا وشدائد الآخرة هذا .
مع إمكان أن يقال : إنّها بعد التسالم على كونها ممكنات متأهّلة للوجود ، أي
قابلة لإفاضة الوجود عليها من منبع الجود بشهادة ما يشاهد من تحقّق وجوداتها