تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
وما ترى فيه من الشرور * من القصور فهو شرّ صوري
شرح
« وما ترى » وتزعم « فيه من الشرور » فليس ذلك إلاّ « من » جهة « القصور » في العقل ، والغفلة عمّا يترتّب عليها من الأعواض الدنيوية ، أو الأُجور الأُخروية ، أو الغفلة عن مصالحها وما فيها من وجوه الحسن ووقايتها عن المضارّ الدنيوية والمهالك الأُخروية ، نظير الفقر مثلا الواقي عن الغرور ، والطغيان بالترف والغناء المقتضي غالباً للبخل ومنع الحقوق ، أو نظير المرض المانع عن التردّي في مهاوي القتل والفساد مثلا ، وأمثال ذلك . « فهو » كلّه « شرّ صوري » لا واقعي . وبذلك يثبت المطلوب وهو براءة ساحة قدسه تعالى عن صدور الشرّ منه ، هذا . وأمّا ما ادّعاه من كون وجود السباع والحشرات المؤذية ممحّضة في الشرّ ، فهو أيضاً دعوى فاسدة ؛ لكونها دعوى ممّن لا يحيط علماً بجميع وجوه المصالح والمفاسد الواقعية ، وليس ذلك إلاّ زوراً وتخرّصاً بالباطل . ويكفي في نقضها مجرّد احتمال وجود مصلحة خفية فيها ، وجواز احتوائها لوجوه مكنونة من الحكم والمحسّنات الواقعية الّتي لا يحيط بها إلاّ خالق تلك الحيوانات . ولعلّ منها جواز انتباه العبد عند مشاهدتها بكونه عاجزاً ضعيفاً مضطرّاً في السلامة عن تلك الحشرات الدنية الخسيسة إلى التحصّن بالآلات الجمادية ، والأبنية المستحكمة ، وبالتأمّل في ذلك تنكسر سورة أنانيته وشموخ أنفه المستلزم غالباً للتجبّر والتكبّر المقتضيين للظلم والفساد . وربما ينتبه بذلك لما هو من سنخها المعدّ لعذاب العصاة في عالم البرزخ ، أو في نشأة القيامة ، فيحصل له بذلك خشوع القلب ، والاحتزاز عن كافّة المعاصي ، فينقاد للشرع وأحكامه المقدّسة ، وينجو بذلك من أهوال الدنيا وشدائد الآخرة هذا . مع إمكان أن يقال : إنّها بعد التسالم على كونها ممكنات متأهّلة للوجود ، أي قابلة لإفاضة الوجود عليها من منبع الجود بشهادة ما يشاهد من تحقّق وجوداتها