تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
شرح
نفس الآية من نسبة العمل إليهم ، وتصريحه تعالى بذلك في قوله : ( تعملون ) ؟ ! وأيضاً لو كان التهكّم واللوم على نفس العمل مع كون العمل مخلوقاً له تعالى لما أفحم القوم عن جوابه حتّى اجتمعت آراؤهم على إحراقه دحضاً لكلامه وبرهانه ، وكان لهم حينئذ أن يفحموه بكون العمل من الله لا منهم ، وبذلك كانت الحجّة لهم عليه ( عليه السلام ) . وفساد ذلك واضح : ( ولله الحجّة البالغة ) ( 1 ) التامّة على جميع الأُمم كتاباً وسنّةً وعقلا وإجماعاً . ثمّ إذ قد عرفت الحال في آيات الكتاب ووجوب تأويل ظواهرها عند معارضة حكم العقل الباتّ لها على ما هي عليه من قطعية الصدور ، اتّضح لك وجوب ذلك أيضاً فيما هو ظنّي الصدور ، وهو السنّة الممحّضة في الظنّ صدوراً ودلالة بطريق أولى ، فلا شبهة أيضاً في ذلك على تسليم صدورها وتسليم معارضتها له . مع أنّ معارضتها ممنوعة ، وإن وقع التصريح في بعضها بأنّه تعالى خالق الشرّ - على ما ادّعاه الرجل - فإنّ لفظ الشرّ كلفظ السيّئة إنّما يُطلق أيضاً على معنيين على ما عرفته آنفاً ، فتارةً يُعبّر به عمّا تكرهه النفوس من الأُمور القهرية الّتي تصيبهم ، والبلايا النازلة عليهم بالرغم منهم كالمرض والفقر والموت وأمثالها على ما تقدّمت الإشارة إليها . وأُخرى يُعبّر به عمّا يصدر من العباد من الأعمال القبيحة والمنكرات الشرعية ، فهو لفظ مشترك في المحاورات بينهما ، ولا محيص من حمل ما وقع منه في الأحاديث على المعنى الأوّل جمعاً بينها وبين حكم العقل ؛ استقلالا باستحالة صدور الشرّ منه تعالى ، وحذراً من مخالفة الوجدان والضرورة بعدم الجبر في أفعال العباد ، وأنّ أعمالهم الاختيارية مخلوقة لهم لا له تعالى ؛ كرهاً منهم كما ستعرفه في باب العدل إن شاء الله تعالى . وعليه فليس المراد من الشرّ فيها إلاّ تلك القهريات المرغمة للآناف ، وليس التعبير عنها بالشرّ إلاّ باعتبار ما عرفت من كونها مستكرهة في النفوس ، لا أنّها شرّ حقيقي صادر منه تعالى ، والعياذ بالله .
هامش
( 1 ) الأنعام : 149 .