شرح
نفس الآية من نسبة العمل إليهم ، وتصريحه تعالى بذلك في قوله : ( تعملون ) ؟ !
وأيضاً لو كان التهكّم واللوم على نفس العمل مع كون العمل مخلوقاً له تعالى
لما أفحم القوم عن جوابه حتّى اجتمعت آراؤهم على إحراقه دحضاً لكلامه
وبرهانه ، وكان لهم حينئذ أن يفحموه بكون العمل من الله لا منهم ، وبذلك كانت
الحجّة لهم عليه ( عليه السلام ) . وفساد ذلك واضح : ( ولله الحجّة البالغة ) ( 1 ) التامّة على
جميع الأُمم كتاباً وسنّةً وعقلا وإجماعاً . ثمّ إذ قد عرفت الحال في آيات الكتاب
ووجوب تأويل ظواهرها عند معارضة حكم العقل الباتّ لها على ما هي عليه من
قطعية الصدور ، اتّضح لك وجوب ذلك أيضاً فيما هو ظنّي الصدور ، وهو السنّة
الممحّضة في الظنّ صدوراً ودلالة بطريق أولى ، فلا شبهة أيضاً في ذلك على
تسليم صدورها وتسليم معارضتها له . مع أنّ معارضتها ممنوعة ، وإن وقع التصريح
في بعضها بأنّه تعالى خالق الشرّ - على ما ادّعاه الرجل - فإنّ لفظ الشرّ كلفظ
السيّئة إنّما يُطلق أيضاً على معنيين على ما عرفته آنفاً ، فتارةً يُعبّر به عمّا تكرهه
النفوس من الأُمور القهرية الّتي تصيبهم ، والبلايا النازلة عليهم بالرغم منهم
كالمرض والفقر والموت وأمثالها على ما تقدّمت الإشارة إليها .
وأُخرى يُعبّر به عمّا يصدر من العباد من الأعمال القبيحة والمنكرات
الشرعية ، فهو لفظ مشترك في المحاورات بينهما ، ولا محيص من حمل ما وقع منه
في الأحاديث على المعنى الأوّل جمعاً بينها وبين حكم العقل ؛ استقلالا باستحالة
صدور الشرّ منه تعالى ، وحذراً من مخالفة الوجدان والضرورة بعدم الجبر في
أفعال العباد ، وأنّ أعمالهم الاختيارية مخلوقة لهم لا له تعالى ؛ كرهاً منهم كما
ستعرفه في باب العدل إن شاء الله تعالى .
وعليه فليس المراد من الشرّ فيها إلاّ تلك القهريات المرغمة للآناف ، وليس
التعبير عنها بالشرّ إلاّ باعتبار ما عرفت من كونها مستكرهة في النفوس ، لا أنّها شرّ
حقيقي صادر منه تعالى ، والعياذ بالله .
هامش
( 1 ) الأنعام : 149 .