شرح
المقدّسة ، وكلّ واحدة من صفاته الذاتية العليا بعد التسالم على عينيتها للذات
وعدم مخلوقية شيء منها .
وعليه فلا مانع ، بل لا محيص بحكم العقل القطعي من تخصيصها أيضاً بما ذكر
من الشرور والمعاصي الصادرة من العبيد ، ولو بناءً على مذهب الجبر الفاسد .
ولا محذور في ذلك أصلا حتّى فيما هو أقوى وأظهر دلالة على مذهب
الخصم بزعمه ، نحو قوله تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) ( 1 ) فإنّه قد شدّ ظهره
به ، واستيقن صحّة مذهبه بذلك ؛ لظهوره في كون أفعال العباد بأسرها صادرة منه
سبحانه ، خيرها وشرّها . وعليه بنى أيضاً قوله بالجبر في الأعمال كما ستعرفه إن
شاء الله تعالى ، هذا .
مع أنّه لا شبهة في كون كلمة ( ما ) في الآية موصولة بقرينة السياق لما قبله ،
وهو قوله تعالى في سورة الصافّات : ( قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما
تعملون ) ( 2 ) فإنّ كلمة ( ما ) الداخلة على ( تنحتون ) إنّما هي موصولة قولا
واحداً . والمراد بها أجسام الأصنام ، فكذلك الداخلة على ( تعملون ) . وليست
مصدريّة ، كي يكون المراد بها نفس العمل أو النحت الصادر منهم ، هذا مع وضوح
أنّهم لم يكونوا يعبدون نفس العمل بالمعنى المصدري ، ولم يكن معبودهم إلاّ
المنحوت ، وهو المجسم المرئي الملموس في الخارج .
وعليه فلا يمكن أن يراد من كلمة ( ما ) إلاّ ذلك ، ولم يكن التهكّم والاستهزاء
لهم من الخليل ( عليه السلام ) إلاّ بعبادتهم له ، لا بعملهم ونحتهم ، فليس المراد من الآية إلاّ
خلقه تعالى لأحجار تلك الأصنام وأخشابها ، لا خلقه لعملهم كي يصحّ استظهار
الرجل منها كون أعمالهم مخلوقة له تعالى ، ويبنى مذهب الجبر أو صدور الشرور
منه جلّ وعلا على ذلك الأساس .
وأيضاً كيف يصحّ القول بذلك أم كيف يمكن استظهاره منها ذلك مع ما في
هامش
( 1 ) الصافّات : 96 .
( 2 ) الصافّات : 96 .